على مدار الساعة

13:42

ولد الغزواني.. صوفي ينافس على السلطة والنفوذ

12 يونيو, 2019 - 19:06

على جسر السنين يسير مرشح الأغلبية محمد ولد الشيخ محمد أحمد ولد الغزواني، قادته الخطى إلى الحلقة الثالثة والستين من عمره، ويريد أن يكلل سيره بالوصول إلى قصر الرئاسة، مستقرا ومقيما وحاكما هذه المرة، وليس كما كان في السابق جزءا أساسيا من دائرة الحكم، المحيطة بالرئيس محمد ولد عبد العزيز

 

مع صديقه محمد ولد عبد العزيز مارس ابن المشيخة الصوفية محمد بن الشيخ محمد أحمد أنماطا متعددة من حياة العسكر، وسارا في دروب متعددة، على أشواك السعي إلى الحكم، وبين دهاليزه ونمارقه ووسائله وإكراهاته ومغرياته.

 

يحمل الرجلان اسما واحدا، ويصر الرئيس المغادر على أن خلفه المرتقب استمرار لنهجه وأنه وفاء لروح نظامه، وهو نفس الموقف الذي يعلنه الخليفة المنتظر، تاركا للزمن تصديق ذلك أو تكذيبه، غير أن ألسنة الواقع وإشكالات الحملة السياسية تلمح إلى أن للرجلين خطان في مدرسة العسكر، وإنهما وإن التقيا طيلة العقود الأربعة الماضية، فإنه من الصعب أن يواصل ولد الغزواني السير على خطى سلفه بل سيخرج قريبا من عباءته إلى اكتشاف شخصيته وقدراته ومواهبه الإدارية والسياسية والخطابية التي ظلت لفترة طويلة تعيش في ظل العسكر.

 

يقول العارفون بالرجل إنه سيبدأ مرحلة تحول سياسية جديدة في موريتانيا وربما يتنكر لمسيرة سلفه وطريقته في الحكم ثم يقول للناس:

 

مشيناها خطى كتبت علينا *** ومن كتبت عليه خطى مشاها

 

والآن سنمشيها خطى أخرى.. غير عسكرية.

 

غير أن في الطرف الآخر من حملة ولد الغزواني من يقول بأعلى الصوت عكس ذلك، فلن يكون ولد الغزواني إلا رجع صدى لمحمد ولد عبد العزيز ومواصلة لمسيرته، بل سيكون ولد عبد العزيز شريكا قويا إن لم يكن مشاكسا لولد الغزواني في الحكم ولن ينسلخ من السلطة كما ينسلخ الليل من النهار بل سيبقى حاضرا وموجها، بل وربما زعيما روحيا للمشهد السياسي القادم.

 

ويذهب أكثر هؤلاء جرأة وتقديرا لسيطرة ولد عبد العزيز على المستقبل السياسي للغزواني بأن للرجل محمدين مهمين جدا، بل محورين في حياته، وأولهم محمد صلى الله عليه وسلم، حيث يصر ولد الغزواني أن تظل التربية الروحية حاضرة في كل مهامه، أما الثاني فهو محمد ولد عبد العزيز حيث إن العلاقة بينه وبين ولد الغزواني أعمق من مجرد علاقة رفاق السلاح لأنها تأخذ بعدا آخر مهما يشبه قول الشاعر

 

أهابك إجلالا وما بك قدرة (بعد التنصيب) *** علي ولكن ملء عين حبيبها

وفي رواية منسوبة لـ"صالون غزواني الثقافي"، ولكن ملء عين رئيسها..

 

أما المقربون من الرجل فيقولون ليس هو بشيء من كل ما يتحدث الناس عنه. هو محمد بن الشيخ محمد أحمد الغزواني وكفى، إنه نسيج وحده سياسة، وسيكون صفحة مختلفة عن سلفه، وعما يتوقع أنصاره وخصومه، بل قد يكون صفحة أخرى زائدة على الصفحات التي قرأها في برنامجه الانتخابي الذي زاد على ثلاثة آلاف كلمة، وحضر فيه بقوة ضمير المتكلم، وعدا وإيعادا وطمأنة وشرحا وتحذيرا وإشادة وبشارة.

 

محمد بن الشيخ محمد أحمد بن الشيخ الغزواني، ابن بومديد التي ما تزال تشكو العزلة بين الجبال والصحراء، وهو أيضا ابن المؤسسة العسكرية التي دخلها سنة 1980 ضابطا قوميا عربيا متوقدا ذكاء وحماسة، كان ولد الغزواني من الجيل المستعرب في المؤسسة العسكرية وهو جيل لم يحظ بأعباء تأسيس الدولة، ولم يشاركوا في أزمة حرب الصحراء المؤلمة التي فجرت بحارا من الدم بين أشقاء الدين والحسانية، كما أن رفاق ولد الغزواني هم أيضا جيل لم يحظ بالمشاركة في الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس المدني المختار ولد داداه، فهم إذا جيل غير متهم بتأسيس ولا إنقاذ ولا تدمير للمدنية... هم جيل عسكري، فقط.

 

في كيفة درس ابن شيخ الطريقة الغظفية في الثانوية، قبل أن ينتقل إلى الجيش، وتدرج في الوظائف العسكرية في المؤسسة التي ترقى في مناصبها القيادية حيث تولى بعد تخرجه مباشرة قيادة فصيل مشاة في المنطقة العسكرية الثالثة، وفي المنطقة العسكرية الثانية تولى قيادة سرية مشاة سنة 1983، قبل أن ينتقل إلى منصب قائد مساعد للتجمع سنة 1985 بالمنطقة العسكرية ذاتها.

 

وفي ترقيه العسكري تولى أيضا منصب مسؤول الاستخدام والتدريب بكتيبة القيادة والخدمات وهي كتيبة سترتبط لاحقا بمحطات أساسية في حياة ابن الغزواني.

 

في سنة 1987 تولى ولد الغزواني منصب المرافق الخاص لرئيس الجمهورية، وحمل حقيبة الرئيس معاوية ولد سيدي أحمد الطايع، ولعدة مرات وقف خلفه، قبل أن يترك المنصب نفسه لصديقه محمد ولد عبد العزيز الذي تولى نفس المهمة، وانتقل ولد الغزواني في مهمة تدريبية إلى العراق، ومنها عاد قائدا لكتيبة القيادة والخدمات.

 

لفترة طويلة تخللتها تكوينات خارجية أدار ولد الغزواني كتيبة العتاد الموريتاني، قبل أن تتم إقالته من الكتيبة التي خرج منها رفاق صالح ولد حننا وحاولوا إسقاط حكم الرئيس معاوية ولد الطايع، وقع الانقلاب الفاشل في 2003 وولد الغزواني خارج البلاد في مهمة تدريبية، وعندما عاد تم تكليفه بقيادة المكتب الثاني في قيادة الأركان ليتولى بذلك الاستخبارات العسكرية، وفي نفس الوقت بدأ صديقه محمد ولد عبد العزيز التذمر من الوضعية المضطربة وبدأ التخطيط للإطاحة بالرئيس معاوية ولد الطايع.

 

بعد الانقلاب العسكري في 2005 تولى ولد الغزواني الإدارة العامة للأمن، يقول قادة أمنيون إن تلك الفترة كانت حساسة بالنسبة للنظام الذي يعيش تحولا سياسيا وأمنيا مفصليا في تاريخ البلد، وأن بصمات ولد الغزواني ظهرت في كثير من المواقف السياسية في تلك الفترة، كما ظهرت بشكل خاص في الاكتتابات والترقيات في القطاع الأمني، حيث حملت عددا من مقربيه الاجتماعيين إلى رتب وظيفية سامية في القطاع.

 

شارك ولد الغزواني أيضا - وإن عن بعد - في الانقلاب العسكري يوم 6 أغسطس 2008، وعاد من كيفة وسط البلاد على جناح السرعة ليتولى عضوية المجلس الأعلى للدولة ويترأسه لاحقا سنة 2009 خلفا للرئيس محمد ولد عبد العزيز الذي أوقف عداد رتبه العسكرية عند درجة جنرال وترك لولد الغزاني المواصلة حتى أًصبح فريقا وشكل الاثنان فريقا لإدارة الحكم.

 

تولى ولد الغزواني قيادة الأركان العامة للجيوش الموريتانية لعقد من الزمن، واستطاع أن يدير الملف باقتدار حسب مناصريه، وأن ينقل الجيش من مرحلة من الضعف والتشتت إلى مرحلة مؤسسية توسعت فيها قدرات المؤسسة العسكرية كما وكيفا، خصوصا في ظل إطار من "العافية" قلد به المؤسسة العسكرية التي خرجت من الحرب المفتوحة على الإرهاب إلى إطار آخر وهو المقاربة الموريتانية لمواجهة التطرف وتقتضي الحوار مع متهمي الداخل ودوائره التي يتوقع أن تكون وقودا للإرهاب، وإدارة علاقة غامضة مع مسلحي الخارج، جعلت الزمن يبرم بين الطرفين اتفاق عدم اعتداء ولم يكن الوصول إلى هذا الخيار طبيعيا ولا متوقعا في ظل حدة العداء بين الطرفين خلال السنوات الأولى من حكم الرئيس محمد ولد عبد العزيز

 

يتسلح ولد الغزواني بشهادات مهمة من بنيها حفظه للقرآن الكريم حفظا متقنا كما يقول أنصاره ومقربوه، ومنها ماجستير في العلوم العسكرية، إضافة إلى عشرات التكوينات والدورات التي ربطت للرجل علاقات واسعة بأطراف دولية وعسكرية مختلفة.

 

رجل الأمن الدولي

مدير الشرطة السابق يمثل رهانا أساسيا بالنسبة لأطراف متعددة مهتمة بملف الأمن في المنطقة وخصوصا الأوربيون الذين يرون فيه تعزيزا لمكاسبهم في المنطقة، أما حلف المحمدين في الخليج العربي فيراهنون أكثر على الرجل الذي وصفه محمد بن زايد ذات مرة بـأنه أول موريتاني مكتمل الشروط لقد انبهر الإماراتيون بمهارات الرجل، وهو عند أنصاره رجل باهر جدا.

 

وإضافة إلى الداخل فإن وصول ولد الغزواني وإن مثل بالنسبة له منجزا شخصيا وتتويجا لمسار عسكري لا ينقصه إلا الرئاسة إلا أنه أيضا يمثل ضمانا لاستمرار تحكم المؤسسة العسكرية في مفاصل السلطة، ويمثل أيضا حماية للدولة العميقة، حماية لها في مناهجها ومقاربتها في السلطة والتحكم وحماية لها أيضا في رموزها وشخصياتها وخصوصا شخصيات العشرية الأخيرة التي يدور حولها جدل كدير وخصوصا فيما يتعلق بالمال والأعمال.

 

أولويات وآفاق 

ليس الأفق مظلما أمام ولد الغزواني إذا ما نال تزكية الجماهير وفاز بمقعد الرئاسة، فهو ليس غريبا على القصر الرمادي فقل ظل لسنوات طويلة الرجل الثاني في السلطة والأول في الجيش، كما أن علاقته في المؤسسة العسكرية قوية ومثمرة، خصوصا أن هنالك حديثا واسعا عن أن تلك المؤسسة هي من فرضت الغزواني مرشحا وأقنعت الرئيس عزيز بالتخلي النهائي عن حلم المأمورية الثالثة، وأًصدرت على لسانه البيان الشهير الذي صدر وهو في الإمارات العربية المتحدة.

 

وسيواجه الغزواني في حال فوزه ملفات متعددة، أبرزها:

أزمة الاقتصاد الموريتاني، وهي أزمة يتوقع أن يتكشف الكثير من ملامحها بعد وصول الفريق المتقاعد إلى السلطة، وبعد أن يستبدل الطاقم الاقتصادي لسلفه، وقبل أن تحل الكتلة الاقتصادية لمحيطه الاجتماعي محل الكتلة الاقتصادية للمحيط الاجتماعي للرئيس عزيز، حيث سيظهر كثير مما كان خافيا وربما يكون الاقتصاد بوابة لزعزعة الثقة بين الرجلين والانحراف عن استمرار المنهج إلى التصحيح.

 

أزمة التعليم، وهي الأخرى إحدى الأزمات القوية التي فشل فيها نظام الرئيس محمد ولد عبد العزيز، وحقق فيها ولد الغزواني نجاحات نسبية على مستوى التعليم الملحق بالمؤسسة العسكرية والذي بات تعليما نخبويا يستقطب نخبة الطلاب الموريتانيين.

 

ينضاف إلى ذلك أزمة الوحدة الوطنية التي تعمقت شروخها وأصبحت حفرا مؤلمة في طريق الأمل في دولة مدنية وعدالة اجتماعية.

 

وتبقى الآفاق الاقتصادية لموريتانيا هي الأخرى، أفقا مهما أمام ولد الغزواني يمكن أن يغير وجه موريتانيا إلى الأحسن إذا ما تم تسييره بعقلية مغايرة لعقلية العشرية الأخيرة.

 

وأمام ولد الغزواني أيضا اختبار العلاقة الخارجية وما إذا كان سيواصل الارتماء في أحضان القطبية العربية أم سيعيد تشكيل العلاقة من جديد بناء على معطيات الاستثمار النبيل للعلاقات وليس الطرفية في الخلافات.

 

وأمام ولد الغزواني أيضا مشكلة الملف السياسي للبلاد، وإدارة الخارطة السياسية التي أعادت التشكل من جديد في رموزها ومواقعها ومواقفها وأزماتها.

 

يرث ولد الغزواني من نفسه مؤسسة عسكرية تقف وراءه بقوة وعلاقات خارجية واسعة خصوصا في شقها الأمني ويرث من سلفه ولد عبد العزيز نظاما بأطراف متصارعة ومتضاربة، وأزمة اقتصادية صعبة وخلافات واسعة مع أطياف سياسية عديدة...

 

فهل سيستمر النهج أم سيقول.. "لكم دنيكم ولي ديني".

 

نقلا عن صحيفة الأخبار إنفو