مختارات من تويتر

جاري التحميل ...

على مدار الساعة

أبو ثريا.. على درب الشيخ أحمد ياسين

18 ديسمبر, 2017 - 12:43
محفوظ ولد السالك / صحفي موريتاني

"لقد سبقتك قدماك إلى الجنة، واليوم حققت ما كنت تحلم به بعد طول انتظار.. الشهادة من أجل فلسطين والقدس" بهذه الجملة نعى نايف أبو ثريا، نجله الشاب الفلسطيني ابراهيم أبو ثريا، بعد سماعه نبأ استشهاده برصاص الاحتلال الصهيوني.

 

لم يمنع الشاب الثلاثيني بتر رجليه خلال العدوان الصهيوني على قطاع غزة عام 2008، من الخروج على كرسيه المتحرك نحو ساحات الرفض، فقد أبى أن يتخلف عن ركب المنتفضين ضد قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، القاضي باعتبار القدس المحتلة عاصمة لإسرائيل.

 

كان في حضور أبو ثريا، الرافض لغير عناق الثريا، رسالة قوية مفادها أن الفلسطينيين لا يعولون في دفاعهم عن القدس، على غير استعدادهم للتضحية، ذودا عن حمى أولى القبلتين، وثالث الحرمين الشريفين، في الوقت الذي ينقسم فيه معظم القادة العرب والمسلمين ما بين مطبع ومهيئ للتطبيع.

 

لم تسقط راية فلسطين، ولم يتوقف رتل شهدائها، فالشهيد يقتفي أثر الشهيد منذ عقود، ولا يزال ركب الشهداء متواصلا، فأبو ثريا استشهد والعلم الفلسطيني في حضنه، وقد شوهد قبل استشهاده وهو يزحف إلى أن رفع العلم الوطني الفلسطيني أمام السياج الفاصل بين غزة والاحتلال.

 

كان أبو ثريا يعمل صيادا، قبل العدوان عام 2008، وبعد أن أصابه قصف مروحي صهيوني، بترت على إثره ساقاه، أصبح يزاول مهنة تنظيف السيارات، فنظافة قضيته ونصاعتها، وعدالتها جعلته لا يزاول عملا غير نظيف.

 

أصيب أبو ثريا في الرأس، وارتقى، لكن رايته لم تصب، وتسلمها غيره ليواصل حمل المشعل في مشهد لا يلفت الانتباه لدى شعب الجبارين، فكل مولود مشروع فدائي، يرضع لبان الدفاع عن الأرض المغتصبة، ويتنفس أكسجين الموت، وفي كل يوم يشيع شهيد شهيدا، ويتهيأ المشيع للتشييع في موكب الشهادة المتواصل.

 

لا فرق بين المقعد والقائم، بين الطفل والشيخ، وبين الرجل والمرأة، ولا السجين والطليق، فكلهم وغيرهم من أبناء فلسطين مستعدون للموت، في سبيل تحرير أرض اغتصبت، وحقوق انتهكت، وتواطؤ من هنا وهناك.

 

تستقبل الأم الفلسطينية ابنها الشهيد بالزغاريد، وقد أضحى جثة هامدة، ارتقت روحه، برصاص غادر، يعبث بالقوانين والمواثيق، ولا يفرق بين الطفل والشيخ، ولا بين الصحيح والمعتل.

 

فقبل استشهاد أبو ثريا بنحو 13 سنة استشهد الشيخ المقعد الشيخ أحمد ياسين على مقعد متحرك، لم يمنعه الشلل الكلي الذي أصابه في 16 من عمره، من أن يكون غصة في حلق الاحتلال الغاشم.

 

أصابت الشيخ أحمد ياسين ثلاثة صواريخ، وهو خارج من صلاة الفجر من أحد المساجد بحي الصبرة الواقع في قطاع غزة.

 

وعلى دربه سار ابراهيم أبو ثريا، فبعد صلاة الجمعة خرج مع جموع الرافضين لقرار إعلان القدس عاصمة لدولة الاحتلال، يواجهون جنود الاحتلال ورصاصهم الحي بصدور عارية، يهرب جنود الاحتلال أمام الحجارة، ويثبت الفلسطينيون أمام الرصاص، فشعارهم أن كل شيء يهون أمام الاحتلال، والتهويد، والمسخ الثقافي، والحضاري.

 

سبعة عشر عاما بعد استشهاد محمد الدره، الطفل الفلسطيني ذي الثانية عشر ربيعا، في مشهد هز العالم، حيث أصابه رصاص الاحتلال بعد أن اخترق يد والده اليمنى، ليخرج من ظهر الطفل الشهيد، وقد وثقت المشهد المؤلم حقا كاميرا المصور الفرنسي شارل ٱندرلان.

 

لكن العزاء أن كل طفل فلسطيني هو نسخة طبق الأصل من محمد الدرة، وكل ثلاثيني مقعد هو إبراهيم أبو ثريا، وكل شيخ مقعد مشلول هو الشيخ أحمد ياسين، فالإنسان الفلسطيني لا يموت في فراشه، ولا يسلم الراية، لكنه يحيى شهيدا ويموت شهيدا، والأسر تتباهى بعدد شهدائها، والأم مدرسة تعد الإبن ليكون شهيدا، والقائد العربي كان يطبع في السر، وأضحى يفعل ذلك في العلن.