على مدار الساعة

تأبين الفقيد عبد الله ولد إسماعيل

22 أغسطس, 2022 - 16:47
البروفسور محمدو أميّن

((يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي)) صدق الله العظيم.

علمت يوم أمس الأول وبأسف بالغ بنبأ رحيل الأخ العزيز والرفيق والصديق عبد الله ولد إسماعيل وأنا خارج الوطن الشيء الذي حرمني من حضور الصلاة على روحه الطيبة والمشاركة في تشييع جثمانه الطاهر.تعرفت على الفقيد قبل أزيد من نصف قرن من الزمان في نواكشوط ضمن نوادي وخلايا شباب الحركة الوطنية الديمقراطية. وتوطدت علاقاتي به خاصة ابتداء من صيف 1972 بمدينة سين-لوي السنغالية عندما تم اختياري ضمن مجموعة من شباب تلك الحركة المعارضة للنظام لنلتحق ببعض قادة الكادحين الذين يعيشون في السرية بالسنغال وكان من بينهم عبد الله ولد إسماعيل ومحمدن ولد أشدو وآخرون. تم انتقاء مجموعة الشباب هذه لتتولى خدمة القادة والمحافظة على أمنهم وسلامتهم.

 

وكان من ضمن المهام التي كلفت بها متابعة البريد الوارد والصادر ولذلك كان بحوزتي مفتاح صندوق بريد الحركة في سين-لوي الذي تصله بشكل منتظم مجلات عربية صادرة في لبنان وبعض الجرائد الفرنسية وهو ما سيربطني أكثر بالفقيد.

 

وبعد نهاية هذا المنفى الإجباري، استمرت علاقاتي بالمرحوم الذي سيشغل وظيفة وزير للصيد في الحكومة حتى استيلاء الجيش على السلطة في 10 يوليو 1978 حيث أعتقل فترة من الزمن قبل أن يطلق سراحه ويتفرغ للعمل الخصوصي في قطاع الصيد.

 

كان المرحوم طالبا متميزا ووطنيا مخلصا ومناضلا شجاعا وسياسيا جريئا ووزيرا مستقيما ورجل أعمال ناجحا. مارس السياسة وشغل الوظائف السامية (مديرا ثم وزيرا) وانهمك في الأعمال بقطاع الصيد واستطاع مع كل ذلك صيانة كرامته والمحافظة على وطنيته واستقلاليته. شغل مختلف تلك الوظائف نقيا طاهرا وغادرها نقيا طاهرا. لم يساهم في تيارات نهب المال العمومي وعصابات التزوير ومافيات التحايل على القانون والتلاعب بمصالح الوطن.

 

لا شك أن الذين يعرفون عبد الله ولد إسماعيل يدركون أنه يتوفر على الكثير من الخصال الحميدة (الاستقامة، الشجاعة، الصراحة، الصرامة، الجدية، النزاهة، إلخ)، غير أن الفقيد يمتلك خصلة أخرى قد لا يعرفها إلا من عايشه عن قرب، ألا وهي شغف عميق بالمطالعة والمعرفة يكاد يبلغ درجة الإدمان. أتذكر أنه أثناء منفانا القسري في السنغال كان يعطيني عناية خاصة لأنني أحضر الصحافة والكتب من وقت لآخر. وكثيرا من كان يناديني باسمي الحركي (سيدي) في كل مرة نتقابل فيها موجها إلي أسئلة من نوع: "يا سيدي أين الصحافة؟ هل زرت اليوم صندوق البريد؟ لا شك أن لموند ديبلوماتيك (Le Monde diplomatique) وصلت أو توشك أن تصل".

 

وكان حريصا على متابعة مستجد الأعمال التي تصدر عن كبريات دور النشر في العالم رغم عزلة وطنه فيما يخص حركة النشر. أتذكر أنني في لقاء معه سنة 1973 وجدته يقرأ كتاب الدبلوماسي الفرنسي آلين بيرفيت (Alain Peyrefitte) "عندما تستيقظ الصين سيهتز العالم" (Quand la Chine s’éveillera… le monde trebmlera) مع أن الطبعة الأولى لهذا الكتاب صدرت في السنة نفسها.

 

وإذا كان النهم المعرفي معهودا لدى البعض في مرحلة التحصيل الجامعي بما يرافقها من طموح علمي، فإن من الطبيعي أن يتراجع تحت ضغوط الحياة المهنية (خاصة في بيئة غير قارئة كالتي نعيش فيها مع الأسف). إلا أن الشغف الزائد بالمطالعة رافق الفقيد عبد الله عندما كان وزيرا وحتى حينما تفرغ للأعمال في قطاع الصيد. ففي سنة 2001 أهديته نسخة من كتابي "المجتمع البيضاني في القرن التاسع عشر" ولم تنقض أيام حتى هاتفني متسائلا ومعلقا على بعض الأفكار الواردة في الكتاب. وكان يسألني في كل لقاء: "هل هنالك إصدارات جديدة؟". كما كان يلح علي أن أكتب له إهداء على كل كتاب أقدمه له.

 

زرته مرات بعد مرضه إحداها صحبة الأستاذ أشدو، رفيق دربه في المنفى الإجباري بالسنغال وما زلت أتذكر نظراته الثاقبة وما تعكسه من صرامة وجدية وما تجسده من أخلاق والتزام وعفة وتقدير للصداقة.

 

لقد فقدت موريتانيا في شخص المرحوم عبد الله ولد اسماعيل إطارا متميزا ووطنيا مخلصا ورجل أعمال من طينة طيبة.

 

رحم الله أخي وصديقي ورفيقي عبد الله ولد إسماعيل رحمة واسعة وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا، وألهم أسرته وأهله وأصدقاءه الصبر والسلوان وجعلنا وإياهم من المبشرين في قوله عزّ وجلّ: ((وبشر الصابرين الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون)).

(صدق الله العظيم).