على مدار الساعة

نقاهة المختلسين.. استراحة المحارب

3 مايو, 2019 - 13:42
الولي ولد سيدي هيبة ـ كاتب صحفي

قد يتم قريبا ترقية "فلان" الذي اختلس منذ أشهر قليلة خلت مبالغ طائلة من المؤسسة العمومية التي كان عُين عليها بفضل قرابته من أحد المسؤولين الأكثر نفوذا وحضورا في دائرة القرار.

 

ثبتت عليه التهم واعترف فأقيل دون أن يسجن أو يحاكم لينعم براحة البال والعيش الهنيء بما اختلس تحفه الحماية المطلقة للمحاربين أثناء راحتهم .. إنه اليوم لا يشك لحظة بقرب تعيينه في منصب جديد بعد أن قضى فترة النقاهة كما مر بها من قبله مفسدون ومختلسون ومتحايلون ضبطوا وأيديهم في خزائن الدولة .. أزيحوا فترة قصيرة لم يلبثوا بعدها أن أعيدوا لتكليفهم من جديد بمهام أكبر ومسؤوليات أكثر حساسية .. حقيقة تؤكدها تعيينات مستمرة لضالعين بالأدلة بعد التحقيقات وصدور التقارير المحاسبية المؤكدة لضلوعهم في قضايا سوء تسيير ورشى ونهب وفساد، ومن ثم تزكيتهم وترقيتهم بعد استراحة المحارب ونقاهة المختلس.

 

"نرجس" في بلاد التناقضات الكبرى

جاك آتالي Jacques Attali أحد أكبر الاقتصاديين والمخططين والمثقفين والكتاب والروائيين الفرنسيين و العالميين -عشرات الكتب في مختلف الاهتمامات -  في حوار تلفزيوني مع فرنسا 24 بدا و كأنه غير معني بتقديمه بهذه الأوصاف اللامعة من فرط التواضع ونكران الذات والانسجام الى حد التماهي مع روح وبعد المثقف المتجرد من ضلالات الألقاب.

 

في بلاد التناقضات الكبرى يضجرك "نرجس" القابع داخل نفوس أفراد نخبها والمتقمص أبدانها وتهافتهم على الألقاب والسعي المحموم وراء الأوصاف من دون مقابل علمي أو فكري أو عطاء ثقافي أو عمل ميداني بناء .. ألقاب يراد لها أن تنضاف إلى السجل النرجسي العفن من ميراث "الإلياذة" الهوميروسية السيباتية التي تشكل بأسطوريتها كابحا أمام التواضع الخلاق ومانعا بتراجيديتها في وجه العطاء المعطل.

 

فهل ننتبه إلى خطر الغياب عن السباحة في فضاء الإبداع والإنتاج بألواح ومجاديف التواضع الآمنة؟

 

الشيزوفرانيا الحضارية 

في الوقت الذي لا يعرف البلد المأزوم تشييد أي مصنع أو الاحتفال بأدنى عمل إبداعي علمي أو فني أو أدبي، ولا يشهد أيضا ظهور مطابع أو دور للمسرح أو معارض أو فضاءات للعطاء والتبادل الفكري والبذل العلمي تكثر، على العكس من ذلك وتحت عنوان الأنشطة الثقافية، المهرجاناتُ الفلكلورية والمحاضراتُ والندوات المبتذلة التي تطلق على نفسها صفةُ العلمية والفكرية.

 
وبالطبع فإن أصحاب هذه المهرجانات وتلك المحاضرات والندوات لا يفوتوا فرصة تنظيمها لتوجيه طلبات الرعاية والتمويل والدعم والمساعدة والشراكة وكل صفات استدرار الأغلفة المالية إلى الجهات الرسمية وشبه الرسمية والخصوصية وللأفراد والمنظمات والجمعيات وكل جهة يمكن أن تُبتز للتحصيل الطمعي.

 
وفي النهاية وبالمحصلة تأتي غالبية هذه المهرجانات سطحية، مرتجلة بلا روح أو رسالة، ومعظم المحاضرات والندوات التي تعمر الفنادق لا علمية ولا فكرية ولكنها قبلية وعشائرية وأسرية "تلميعية" لأشخاص أو توجهات تاريخية وأنثروبولوجية في دائرة تحقيق وإثبات الأنساب أو تيارات طرائقية، لتسجل نفسها في دائرة التنافس "السيباتي" والتباكي ليس إلا وبعبثية مطلقة على أطلال من ماضي ذبلت ملامحه ولم يعد يملكه أحد أو جهة.

هو فقط استمرار الارتكاس الثقافي والفكري وتفاقم أعراض الشيزوفرانيا الحضارية في بلاد التناقضات الكبرى لتي يضير مسارها استحكام النرجسية والادعاء المفرط بالتميز على خواء في عصر تجاوز أهله هذا المنطق البالي ونبذوا الخمول المقيد عن الالتحاق بركب أمم قطع أشواطا يصعب اللحاق بها إلا أن تتبد الأحوال وتهب النخب بتجرد وتوجه إلى العمل البناء.