على مدار الساعة

خطاب كيهيدي… تأسيس لوطن جامع مانع

9 فبراير, 2026 - 11:48
الدكتور اباب بنيوك / مستشار بالوزارة الأولى

جاء خطاب فخامة رئيس الجمهورية، السيد محمد ولد الشيخ الغزواني، في مهرجان كيهيدي يوم الأحد 8 فبراير 2026، ليجدد التأكيد على الثوابت الكبرى للمشروع الوطني الذي يقوده منذ توليه مقاليد الحكم؛ مشروع يربط، في رؤية متكاملة، بين الأمن والوحدة والاستقرار باعتبارها عناصر مترابطة تشكل المدخل الحقيقي للتنمية الشاملة. فلا تنمية مستدامة دون وحدة وطنية، ولا استقرار سياسي أو اجتماعي في ظل الانقسام أو الهشاشة.

 

لقد كان تناوله للوحدة الوطنية طرحا سياسيا عميقا يرى فيها، الحصن الحصين في مواجهة الأخطار، والقاعدة الصلبة لتماسك الجبهة الداخلية، وخط الدفاع الأول عن الوطن. فاستقرار الدول لا يُبنى إلا على شعور جماعي بالانتماء المتساوي، وعلى قناعة راسخة بالمصير المشترك.

 

وفي هذا السياق، شدد صاحب الفخامة على أن ما تنعم به موريتانيا اليوم من أمن واستقرار ليس معطى عابرا ولا ثمرة صدفة، بل نتيجة يقظة دائمة من القوات المسلحة وقوات الأمن، وحسن تدبير شامل للملف الأمني. وهي رسالة طمأنة إلى المواطنين في الداخل، ورسالة واضحة إلى الخارج مفادها أن أمن موريتانيا خيار استراتيجي ثابت، لا يقبل المساومة ولا يخضع للحسابات الظرفية.

 

ويتعزز هذا الأمن والاستقرار، كما أكد فخامة الرئيس، عبر حوار وطني جامع يشارك فيه جميع الموريتانيين، يدار بروح وطنية مسؤولة، ويعالج الإشكالات الكبرى التي واجهت مسار الدولة، ويضع لها حلولا عادلة، بما يسمح بطيّ صفحات مؤلمة من تاريخ البلد دون إنكارها، وفتح آفاق جديدة قائمة على التفاهم والثقة المتبادلة.

 

وفي مقاربة تتسم بالواقعية والشجاعة، توقف فخامة الرئيس عند لحظات الألم التي قد تمر بها الشعوب، مؤكدا أنها ليست حكرا على مجتمع دون آخر، ولا مرتبطة بصراع فئات أو شرائح، بل قد تنشأ داخل الفئة الواحدة نفسها. غير أن الحكمة السياسية، كما أوضح، تقتضي عدم الارتهان للماضي أو استدعاء الجراح، لأن استحضارها لا يبني الأوطان، فيما يتطلب المستقبل شجاعة جماعية لتجاوز تلك اللحظات ورسم طريق آمن للأجيال القادمة.

 

وفي هذا الإطار، بدا لافتا أن فخامة الرئيس لم يسع إلى اختصار تاريخ الدولة أو مسار البناء الوطني في شخصه أو في فترة حكمه، بل أنصف مختلف المراحل، معترفا بأن لكل حقبة إسهامها وجهدها في خدمة الوطن، ومؤكدا أن مشروعه ليس قطيعة مع الماضي، بل امتداد واعٍ لمسار تراكمي يقوم على البناء لا الهدم، وعلى التقييم الهادئ لا المزايدة السياسية.

 

ختاما، عكس خطاب كيهيدي مرة أخرى أسلوب فخامة الرئيس في القيادة: هدوء في التقدير، واقعية في التشخيص، وحزم في الخيارات الكبرى. فهو لا يقلل من حجم التحديات، لكنه في المقابل يبعث برسائل طمأنة قوية مفادها أن موريتانيا، بفضل وحدتها الوطنية وحسن إدارتها، قادرة على تجاوز الصعاب ومواصلة مسارها بثبات.

إنها موريتانيا الجديدة