لم يعد الفضاء العام محكومًا بقيمة الفكرة أو عمق الرؤية، بقدر ما أصبح أسيرًا لقوة الصوت وسرعة الانتشار. في هذا المشهد المتحوّل يطفو على السطح تناقض صارخ بين ضجيج الشهرة وصمت الكفاءة حيث تتقدّم الأصوات الأعلى والأكثر حضورًا بينما تتراجع الخبرات الحقيقية إلى الهامش لا لعجزها عن الفعل بل لأن منطق الظهور بات أقوى من منطق الاستحقاق.
يشير ضجيج الشهرة إلى ذلك الحضور الصاخب الذي تصنعه أدوات الإعلام والمنصات الرقمية حيث تُكافأ القدرة على لفت الانتباه أكثر من القدرة على التحليل ويُمنح المنبر لمن يجيد التكرار لا لمن يمتلك الإضافة. في هذا السياق تتحوّل الشهرة إلى غاية في ذاتها ويغدو الخطاب أقرب إلى أداء شكلي يراهن على الإثارة والتبسيط بدل أن ينشغل بالفهم والتفكيك. لا يعود السؤال: ماذا نقول؟ بل كيف نُرى ونُسمع.
في المقابل تمثّل الكفاءة ذلك الرصيد المعرفي المتراكم الذي يتطلّب زمنًا وجهدًا وصبرًا يقترن عادة بخطاب أقل صخبًا وأكثر حذرًا ذلك أن أصحاب الكفاءة يدركون تعقيد القضايا وحدود الإجابات لذلك لا يميلون إلى اليقين السريع ولا إلى الشعارات الجاهزة غير أن هذا الوعي ذاته يتحوّل في مناخ يقدّس السرعة إلى عبء يُقصيهم عن الواجهة ويُبقيهم في دائرة الصمت أو التهميش.
لا يمكن فصل هذا التناقض عن التحوّلات البنيوية التي عرفتها الثقافة والإعلام فقد أسهم تراجع المعايير المهنية والفكرية في خلط الأدوار فلم يعد هناك فرق واضح بين الخبير والمعلّق ولا بين التحليل والرأي العابر ومع خضوع المجال العام لمنطق السوق أصبحت القيمة تُقاس بمدى التداول والانتشار لا بمدى الدقة والعمق هكذا وجد ضجيج الشهرة بيئة مثالية للنمو بينما انكمشت الكفاءة في مساحات ضيقة لا تحظى بالاهتمام ذاته.
كما لعبت المنصات الرقمية دورًا مزدوجًا في هذه المعادلة فمن جهة أتاحت فرص التعبير للجميع، ومن جهة أخرى ألغت الوسيط الذي كان يفرز المحتوى ويمنحه شرعية معرفية ومع غياب هذا الوسيط باتت الكفاءة خيارًا لا شرطًا وأصبح الصمت في كثير من الأحيان موقفًا دفاعيًا تتخذه الخبرة أمام ابتذال النقاش وتسطيح القضايا.
غير أن تحميل الشهرة وحدها مسؤولية هذا الضجيج يظل طرحًا ناقصًا فالكفاءة نفسها ساهمت أحيانًا في تعميق عزلتها فالانغلاق النخبوي والخطاب المعقّد غير القادر على التواصل والانسحاب من النقاش العام بدعوى الحفاظ على القيمة كلها عوامل جعلت الكفاءة أقل حضورًا وأضعف تأثيرًا وبين صخب الشهرة وصمت الكفاءة يتشكّل فراغ معرفي يُملأ بخطابات سطحية تُرضي اللحظة ولا تبني وعيًا.
إن الخطر الحقيقي في هذا التناقض لا يكمن في ارتفاع الصوت وحده بل في تحوّله إلى مرجعية تُحدّد الذائقة العامة وتوجّه الرأي دون سند معرفي راسخ. ومع استمرار هذا المسار تتآكل الثقة بالخبرة ويُعاد إنتاج الوعي على أسس هشة تُقدّم السهل على الصحيح والمباشر على العميق.
يبقى السؤال الجوهري معلقًا بين الضجيج والصمت: كيف يمكن إعادة التوازن إلى المجال العام؟ لا يبدو الحل في إسكات الشهرة ولا في تمجيد الصمت بل في إعادة الاعتبار للمعايير التي تربط الحضور بالكفاءة والتأثير بالمسؤولية. فحين تجد الخبرة طريقها إلى التعبير دون أن تفقد عمقها وحين يُقاس الصوت بما يحمله من معنى لا بما يحدثه من صدى يمكن للمشهد أن يستعيد شيئًا من توازنه، ويتحوّل الضجيج من غاية إلى وسيلة والصمت من عزلة إلى قوة كامنة قادرة على الفعل.

.gif)
















.png)