على مدار الساعة

ليال ليلاء بين مشافي ولايات ثلاث (1/4)

5 فبراير, 2026 - 13:47
بقلم: عز الدين مصطفى جلولي - كاتب وأستاذ جامعي جزائري - djellouli73@hotmail.com

هنالك ضريبة على المريض في الجزائر أن يدفعها حينما تبرحه المعافاة ويدخل في دورة استشفاء طويلة، الله وحده يعلم إلى ما ستؤول إليه. عاش الإنسان في هذه البلاد الخيرة إلى عهد ليس بالبعيد يتولى إنتاج غذائه بنفسه، متشاركا مع أهل بيته على بقعة من الأديم ورثها عن أجداده منذ الخلافة العثمانية. وكانت سلة الغذاء بسيطة التركيب غنية الفائدة كثيرة الغلال، ولم يك أحد منهم يشكو الجوع وكثرة الأمراض، لأن الغذاء الصحي كفاه الوقاية من ذلك، وتولت الأخلاق الرفيعة حصانته منها.

 

وما إن دخلت المجتمعات الحديثة مرحلة الاستهلاك المفرط للمنتجات الغربية، حتى دخل مجتمعنا هذا من حيث دخلت، مع قلة الوعي بمضار ذلك، وتعريه تماما من الحماية العامة المنوطة على السلطة رعايته بها، إلى حد وصلت إليه الجزائر في عهد الثورة الزراعية أن تبادلت مع الولايات المتحدة قنطارا من قمحها الأصيل بقنطارين من قمح الأمريكان الرديء، في معاملة اقتصادية ربوية أضرت بالصحة العامة وبالأمن الغذائي أبلغ الضرر.

 

ابتليت أم أولادي منذ أيام بحمل خارج الرحم، تسببت أعراضه المؤلمة بنزيف ألجأها إلى معاينة طبيبة مختصة بعين وسارة، لم تتمكن الطبيبة رغم ما لديها من خبرة في مستشفيات المنطقة وما عندها من جهاز إيكوغرافي كيما تشخص العلة بدقة، ولكي ترفع عنها معرة التخبط لجأت إلى صاحب العيادة - الذي استخلفها عليها وزاول هو التطبيب بولاية أخرى - تستشيره في هذه الحالة، فأشار عليها بالاتصال بزميلتها المختصة مثلها في التوليد تملك عيادة قريبة منها بحجة أنها تتوفر على جهاز تصوير أكثر تطورا، فهاتفتها تطلب عونها وتوصي بنا خيرا لتسهل دخولنا عليها من دون تجشم عبء الانتظار في طابور لا يزال يبدأ في كل يوم من الثامنة صباحا وقد لا ينتهي عند الخامسة مساء، كان قد حجز أصحابه مواعيد مع الفجر كما جرت العادة مع إشراقة كل شمس. وكان لزاما علينا قبل مغادرة العيادة الأولى أن ندفع لصاحبتها أجرتها كاملة قدرتها بألفين وخمسمائة دينار جزائري.

 

لم نعدم تحننا ورجاء إلى العاملات على بوابة العيادة الثانية كي نلج إلى الطبيبة المختصة على الفور، لكنهن دفعن بالمريضة إلى غرفة الانتظار ساعة أخرى، لم تكد تنتهي إلا والزوجة تستسمح الجالسات اللواتي ينتظرن دورهن لتسهيل مرورها إلى غرفة المعاينة، التي طلبت صاحبتها منا إجراء راديو سكانر لدى مركز مختص مجاور لها، لأن وضعية الحمل خارج الرحم لم تتضح لها بعد. وقبضت من المريضة أجرة ثانية قدرتها بمبلغ صديقتها كاملا، في سلوك غير مبال بالترتيبات التي سبقت وصولنا، ولا مبال بحال المرضى القادمين من مناطق خارج المدينة، ولا بالتكاليف التي ستترتب على طلباتها من بعد ذلك.

 

اضطررت لترك المريضة تبيت ليلة عند أحبة لنا بعين وسارة، ولدى مراجعتي مركز التصوير الشعاعي- وقد عتم المساء- أخبرتني العاملات، وما أكثرهن بداخله، بأن إجراء التصوير يتطلب حجز موعد فجرا وشراء دواء يتجاوز سعره أربعة آلاف دينار من الصيدلية المجاورة. عدت عشاء إلى البيت في بلدة البيرين، ودفعت لصاحب السيارة التي أقلتنا ألفي دينار، وبت مهموما أسأل الله السلامة من هذا البلاء الذي حل بنا ونحن في غفلة منه، وقد صعب على الطب الاختصاصي تشخيص الداء وأخذ قرار بات بشأنه، ولم يك بوسعي ليلتها تدبير ما يتطلبه العلاج غدا. وكان لا بد لي من الاستعانة بقريب لي استدنت منه مبلغ ثلاثين ألف دينار على أمل تسديده في مطلع الشهر المقبل بحول الله، فلبى الرجل ندائي سريعا، وبت أرِقا أضرب أخماسا في أسداس.

 

لم يك بمقدوري حضور صلاة الصبح جماعة فجر الغد، لأن لدي فطيمة لم تعتد أن تنام إلا على ذراع أمها، ولو تركتها وذهبت للمسجد لأيقظت بالبكاء إخوتها الثلاثة بل الجيران كلهم. وبعد ما صليت الصبح اتصلت بمركز التصوير للحجز، فرد علي رجل فورا وكأنه كان ينتظر هاتفي، وطلب مني أن نحضر المريض صائما، وسألته عن التكلفة، فقال لي تسعة آلاف دينار مرفوقا بدواء علي إحضاره من الصيدلية يتجاوز سعره أربعة آلاف، وإن شئت أجرينا لك التصوير بثمانية آلاف دينار شريطة أن نبيعك نحن الدواء، ثم تذهب إلى الصيدلي ليعطيك المبلغ نفسه إذا كانت لديك بطاقة الشفاء! لم أستوعب حقا ما قال لي الرجل، لأني كنت عجلا أريد قضاء الأمر لأعود بالنتيجة إلى الطبيبة.

 

وحدث ما كان، إلا ما كان من شأن هذا المركز العجيب، فكثرة المرضى تلفت الانتباه، وكثرة الفتيات الموظفات بداخله ألحت علي بسؤال عن واقع المرأة الجزائرية، التي أصبحت تغادر بيتها باكرا ولا تعود إليه إلا في المساء من أجل أن تكتسب المال، وأكثر هؤلاء الفتيات جميلات يُعجب الناظرَ حسنُهن. فأسقط في يدي الخلل الاجتماعي داخل هذه البيئة المحافظة، في معادلة عزوف الشباب عن الزواج، واقتحام النساء عالم الرجال.

 

قبض المال من المرضى في المركز وتعداده أكثر ما ترعيه المستخدمات عناية، إنه يفوق عنايتهن بحال الزبائن عسرا ويسرا، وبما في التقارير الطبية المرافقة للصور من أخطاء أو نتائج كارثية، حتى لتخال أنك في مركز تجاري حسبه أن يجني الأرباح. فلم أكد أستلم الملف الطبي من المركز إلا بإلحاح شديد، لأنهن أخبرنني بأن المركز لا يسلم التقارير إلا في الغد من ذاك، والغد يوم جمعة، فما علي إلا الانتظار إلى يوم السبت إذن. نعم هكذا تجري الأمور ولو كانت الحالة فيها خطر. لكن بعضا من الغلظة في الكلام تفري، وكان علي أن أحتد في الخطاب بأن الوضع لا يحتمل التأخير. فأنظروني قليلا ثم سلموني ظرفا كبير الحجم، خطفته سريعا وأخذت بيد الزوجة إلى العيادة الملاصقة لنستبين الحال ونطمئن، فوجدنا طبيبة أخرى استخلفتها صاحبة العيادة على العمل يوم الخميس، لم تكن تدري بقصتنا شيئا.

 

كتبت الطبيبة المستخلفة خطابا مستعجلا- بعدما استشارت فيه هاتفيا زميلتها الغائبة - إلى مستشفى عام من دون أن تحدده، تفيد فيه بأن الحالة صعبة وتتطلب عملية. فاستنظرتها في الانتقال إلى المستشفى غدا أو بعده لأننا سندخل في عطلة نهاية الأسبوع- الجمعة والسبت- وقد لا يتوفر الأطباء في أماكن أعمالهم فلم تنظرنا، وألحت علينا بالانطلاق فورا الآن وليس غدا. وكذلك كان، غير أنه خطر ببالي قبل المغادرة أن نعرض هذا الوضع على قسم التوليد بمستشفى عين وسارة، ففيه أطباء كوبيون، استجلبتهم السلطة من البحر الكاريبي لتوليد نساء الجزائر المسلمات، ويا للعار!! وكان لا مناص من واسطة تسهل علينا الولوج إلى هذا القسم، لنجد أنفسنا أمام طبيبة كوبية شككت في قراءة الطبيب للحالة بمركز التصوير، لأنه يناقض ما يظهره جهاز الإيكوغرافي الذي بين يديها، وطلبت منا طلبين أحلاهما مر؛ أن توافق المريضة على إجراء عملية حالا لترى ماذا يوجد بأحشائها، أو نتجه إلى مركز تصوير آخر بمدينة الجلفة التي تبعد مائة كيلومتر عنا، ومن ثم نأخذ الصور إلى مستشفى تلك المدينة ففيه أطباء كوبيون أكثر تأهيلا. ضحكت بألم من قولها، ورددت مازحا عليها: "هل غدت بطون النساء علبا تفتح وتغلق، وماذا لو كانت نتيجة الرحلة إلى الجلفة هي النتيجة نفسها التي بين أيدينا الآن"؟ فلم أجد منها جوابا شافيا غير ما سمعت.