على مدار الساعة

حزب العدل يشعل الشرارة أو عبور نهر "الروبيكوني "

29 يناير, 2026 - 18:33
بقلم الأستاذ أحمد ولد سيدي محمد ميني

احتضنت القاعة الرئيسية في دار الشباب يوم الجمعة الموافق الثالث والعشرين من شهر یناير الجاري 2026م ، مؤتمرا لميلاد حزب جديد سمي حزب العدل ، برئاسة البطل الوطني الدكتور أحمد ولد صمب.

 

هذا الحزب الجديد وبرئاسة هذا البطل الذي أفضت به تضحيته من اجل موريتانيا وشعبها وإقدامه الموروث وشجاعته المتأصلة إلى أن يحل نزيلا بالسجن أكثر من مرة، وأن يتعرض لأبشع المضايقات وأقسى المعاناة، إيمانا بأن المصلحة العليا للمجتمع والبلد فوق كل اعتبار.

 

إن هذا الحدث بمثابة إطلاق للشرارة الأولى في سبيل التغيير الذي يتطلع إليه الشعب، إنه دون شك مؤشر على تعامل جديد مع النظام الذي أدخل البلاد في دوامة لا اول لها ولا آخر.

 

هذا الحزب وبقيادة هذا الزعيم وبخطابه المعتدل : الذي عبر عنه بيانه السياسي، الخالي من الشرائحية البغيضة و الشوفينية العرقية المتخلفة ، وخطابه الشامل في مضمونه و شكله عند تناول القضايا الوطنية  التي تهم بلادنا على المستوى الدولي والاقليمي والمحلي ، المنحاز للشعب عموما  وجماهيره المسحوقة ، المهمشة والهشة، من خلال مقاربته الاجتماعية و منظوره الاقتصادي ، هو بحق الشرارة الأولى  أو قل عبورا حاسما لنهر "الروبيكوني".

إننا نجهل تماما ما إذا كانت الإشارة قد التقطت بشكل صحيح من طرف النظام الحاكم، دون أن نحسن الظن بأن الأمر قد تم كذلك.

 

الأمر يعود إلى الضعف البنيوي الذي يميز اجهزته، وساسته ومحلليه ،على افتراض وجود هؤلاء أصلا. ليس سرا أن النظام لا يثق كثيرا بالسياسة ويظهر ذلك جليا من خلال التعامل مع حزبه و سياسيي البلد ممن يدعون موالاة النظام، وما يسمي (أغلبية ). تبقى مشكلة رأس النظام مع السياسة مفارقة عصية على الفهم، مثل مشكلة سلفه مع الأدب.

 

للنظام تجربة لم تعد بالقصيرة في هذا المجال، في ما يقارب السبع سنوات، خاض خلالها حملتين رئاسيتين، وحملة تشريعية وبلدية - على الأقل – كان ذلك كفيلا بأن يكشف ملامح وطبيعة  نظرة وتعامل النظام مع السياسة و الساسة  من خلال مكانة الحزب الذي يصر على أنه الحزب الحاكم والأغلبية التي تدعي موالاته ،  مكتفيا بتقارير مخابرات وإدارة هي من هي!.  النظام قبل إي كان أعلم بحقيقتها وهى صنيعته اللصيقة به . ومعتمدا على قوى موازية غالبا ما تكون قبلية كتلك التي اختار( انبيكت لحواش ) مسرحا لإنتقادها بشكل مفاجئ  وسط ذهول ودهشة  من طرف الجميع . فهل لدينا – كنظام - من سند سوى القبيلة أو خطاب إلا ذلك الخطاب القبلي!؟ .

 

موقف النظام من السياسة لا يشبهه الا موقفه من المقاربة الاجتماعية التي تلجأ إليها الأنظمة الشبيهة بنا حالا ولو مع سعة البون الذي يفصلنا مع كل الأنظمة على وجه البسيطة وتلك التي شهدها التاريخ، فرادة نظامنا السياسي مصدر فخر لنا إذا عازنا ما نفتخر به.!

يتجىلى تجاهل النظام  للمقاربة الإجتماعية في تعامله مع الانتفاضات الشعبية التي قامت ضده، نذكًر هنا بانتفاضتي  "كوبني واركيز" مثلا، والتي واجهها بقمع شديد، وكأن قتل الشعب أسهل من تيسير العيش والمساعدة على استمرار الحياة (قريبا مما يذهب المثل الشعبي).

 

هذه القسوة في التعامل مع كل انتفاضة أو احتجاج شعبي أو بعبارة أخرى ترجيح المقاربة الأمنية هي التي ستدفع النظام إلى متاهاته التي دأب عليها مثل إدعاء محاربة الفساد والسعي إلى خلق اجماع وطني من خلال الحوار الذي هو لغز تحار فيه الأذهان، و قبل كل هذا السعي  إلى إستمالة و كسب ود المعارضة التقليدية و مداهنتها بوسائل وإجراءات  تتم تحت الطاولة ينقصها الشرف، وبعبارة أوضح ليست شريفة.

 

إننا هنا بصدد الحديث عن التقية التي يمارس النظام اتجاه المعارضة ، مقابل تجاهل خطر النقمة الشعبية، لسبب بسيط: كون الشعب أعزلا ولكون النظام مسيطرا على وسائل الاكراه التي تمتلكها الدولة.

 

على النظام أن يعي حقيقة تاريخية وهي أن المعارضة التقليدية خلال كل تاريخ الانظمة الموريتانية، لم تكن سببا حاسما في سقوط نظام ما. الأنظمة نفسها هي السبب الحاسم. السبب الحاسم دائما سبب ذاتي. بمعنى أن الأنظمة الموريتانية لم تسقط قط نتيجة عصيان مدني أو بفعل إنتفاضة شعبية.

 

لامجال لإنكار دور المعارضة الحادة في إسقاط الأنظمة، لأن سياج هذه الأخيرة وسورها الحامي هو رضى الشعب، ومتى ماحلت النقمة محل ذلك الرضى ، فأي خطر متربص بالنظام حتى ولو كان المجهول كما يذهب إلى ذلك الفقيد  الأستاذ محمد يحظيه ولد ابريد الليل، يمكنه القضاء بسهولة على النظام.

 

نذكر بالعفو العام الذي أصدره  معاوية بعد الإطاحة بالرئيس محمد خون ولد هيداله  وبذلك الذي أصدره المجلس العسكري بعد الإطاحة بمعاوية .

 

لقد سقطت أقنعة نظام الرئيس محمد ولد  الشيخ الغزواني. تلك المتعلقة بمحاربة الفساد وما رافق ذلك من تحامل على مأمورية ولد عبد العزيز التي كان شريكا فيها ويسير نظاما كان قد تبناه هو نفس نظام المأمورية التي يلعن!، بطبيعة الحال ناقص واحد (1-) الذي هو الرئيس السابق محمد ولد عبد العزيز صديقه ورفيق دربه والمسؤول الأول عن وصوله للسلطة.

 

أما القناع الثاني فيتمثل في الوعود الانتخابية بالنهوض بأوضاع البلد والمواطنين (قصة المشوي المثيرة للسخرية)، لتسفر هذه الوعود عن ترد مستمر للحالة المعيشية في جو من التضخم والصعود الجنوني للأسعار وتدني الأجور. أضف إلى ذلك التراجع الملحوظ لحرية التعبير (قانون الرموز السيئ الصيت، الاعتقالات والقمع بكافة أشكاله).

 

المهدئ الوحيد لكل هذا هو الحوار الغامض الذي بات يراوح مكانه منذ إعلانه. ترنح الحوار فتح المجال أمام كثير من الهمس والإشاعات حول خرق الدستور بتمديد المأمورية ، مأمورية ثالثة واختيار وريث مقرب.......إلخ.

الشعب الموريتاني أصبح وجها لوجه مع حقيقة جلية هي: إفلاس النظام، وقد بدأ يرسل الإشارات المختلفة طبقا لهذا الإدراك الواعي.

 

اليكم بعض هذه الاشارات واللبيب بالإشارة يفهم حسب القول المأثور. نكتفي في هذا المقام برصد إشارتين لطيفتين، لكنهما معبرتان في نفس الوقت:

 

أولاهما: هذه الوفود التي تداعت من كل قبيلة دون استثناء على امتداد الحيز الترابي الموريتاني، معزية في والد الرئيس محمد ولد عبد العزيز رحمه الله.  خطباء تلك الوفود لم يقفوا عند حد التعزية العادية بل تطرقوا إلى ابراز تعاطفهم مع ولد عبد العزيز والتنويه بكونه تعرض للظلم البشع، وأكثر من ذلك طالبوا باطلاق سراحه. كل ذلك في تحد سافر لفبركة النظام حول تجريم الرئيس السابق، وتجاهل لخطاب "انبيكت لحواش" حول نبذ القبلية وتجاوز الخطاب القبلي!. ألم يكن بوسع هذه الوفود والقبائل أن يكتفوا بالتعزية كأفراد؟ وفي ضوء ذلك أليس جديرا بالنظام – أقصد مفكريه على افتراض وجدوهم أصلا وصناع قراره أن يتذكروا ما جاء على لسان الرئيس بني صدر الايراني على ايام الحرب العراقية الايرانية معترفا بالهزيمة في الحرب <<إن شعاراتنا لم تعد  ترضى أحدا سوانا>>؟!

 

ثاني هذه الإشارتان: تتعلق بما لا حظ الجميع من انسحابات جماعية  عن الحزب الذي كُلًف السيد  جميل منصور بتشكيله  بعد لقاءاته الحميمة و المتكررة بفخامة رئيس الجمهورية، أي معنى  لهذه الانسحابات الجماعية وفي هذا الوقت بالذات؟

جدير بالذكر أن المنسحبين لم يبايعوا السيد جميل منصور بيعة سياسية، جميل كان هنا! وكان على رأس حزب ساسي.

 

هؤلاء المنسحبون لم يدقوا بابه وهو يتربع على هذا الحزب الكبير ذي الخلفية الأيديولوجية الإسلامية والخطاب السياسي القوي والأنصار الكثر.

 

إذن من يغازلون سوى فخامة الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني ونظامه ؟ وعليه فإن انسحابهم ليس إلا تعبيرا عن خيبة  الأمل في النظام وفي رأس النظام .هل هناك شيء آخر يمكن أن يقود إليه المنطق السليم؟

في  ضوء هذه المعطيات والمؤشرات، لم يعد امام النظام سوي أحد أمرين لا ثالث لهما:

الخيار الاول : أن يقوم على الفور بانفتاح ديمقراطي حقيقي على مختلف القوى الحية في البلد ويرسي قواعد اجماع سياسي  حول الاولويات ذات الطابع الاستعجالي التي تخدم الوطن والمواطن. وخلال ذلك يرتب انسحابه ديمقراطيا بمجرد نهاية مأموريته، ودون أي مساس بالدستور أو تمديد مأمورية. إنها فرصة ذهبية لرأس النظام، قبل الانصراف،   كي يطفئ كل الفتن التي يمكن أن تشكل خطرا على شخصه أو مجموعته المستولية على السلطة أو قبيلته أو جهته.

 

إن أي  تأخير أو تلكإ أو لف ودواران هو تلاعب بالنار يعرض مصير البلد والنظام إلى الخطر. التجارب لاتزال ماثلة وفيها عظة وعبرة .

 

من يريد لهذا البلد أن ينزلق -لا قدر الله – في مهاوي بلدان كالصومال و السودان وسوريا وليبيا وأقرب من كل هذا دولة مالي المجاورة؟  هل يرضي من لديه أبسط ذرة من إيمان أو غيرة على وطنه مثل هذا المصير لبلده، أيا كان موقعه في المسؤولية؟!.

 

الخيار الثاني: التشبث بالسلطة وترك البلد يسير في نفس المسار وعلى نفس المنوال حال الغريق الذي يستسلم للموج عند انعدام الحيلة، والتصرف انطلاقا من كوننا كنظام نمتلك القوة ونستحوذ على كل مقدرات البلد في مواجهة شعب أعزل، ضعيف، متخلف أو هكذا يتصوره النظام، متناسيا أن موريتانيا ليست مملكة ورثها عن الأجداد و لا غنيمة في معركة كان فيها المنتصر، ولا هي بالهدية التي أهدته السماء إياها.! إنه خيار الطغاة منذ "نيرون"  الذي أحرق روما عاصمة ملكه لرغبة تملكته هي أن يتفرج علي روما التي <<لم تبن في يوم واحد>> وهي تحترق.

 

لقد وصل الحكام الحاليون لبلدنا إلى السلطة عبر مسار يفترض أن يكون ديمقراطيا وعليهم أن يخرجوا من نفس الباب دون تعريض البلد لويلات نحن كشعب في غني عنها، ماعدا ذلك فعليهم أن يتحملوا المسؤولية التاريخية أمام الشعب، أمام التاريخ و أمام الله. علما أن الشعب قد حزم أمره وعبر نحو التغيير نهر "الروبيكوني".