عند مقارنة الضغط الضريبي بين موريتانيا ودول الجوار مثل السنغال والمغرب وتونس والجزائر ومالي، تظهر مفارقة لافتة: فموريتانيا تُسجّل نسبة ضعيفة من الإيرادات الضريبية إلى الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بعدة دول مجاورة، رغم أن معدلات بعض الضرائب فيها مرتفعة قانونياً، خصوصاً على الأجور والدخول الرسمية.
هذا التناقض لا يعود إلى انخفاض الضرائب في النصوص القانونية، بل إلى طبيعة الاقتصاد نفسه. فجزء معتبر من النشاط الاقتصادي في موريتانيا يتم في قطاعات أولية أو غير رسمية، كالتجارة التقليدية والرعي والصيد وبعض أنشطة التعدين، وهي قطاعات يصعب إخضاعها للجباية المنتظمة. في المقابل، تعتمد دول مثل المغرب وتونس أكثر على أنشطة صناعية وخدمية منظمة، ما يجعل تحصيل الضرائب أسهل وأكثر انتظاماً.
عامل آخر يتمثل في حجم الاقتصاد غير الرسمي، الذي يظل واسعاً في موريتانيا وفي عدد من بلدان الساحل، الأمر الذي يضيق القاعدة الضريبية ويجعل العبء يتركز على الموظفين والشركات المسجلة فقط. وهكذا يصبح الضغط الضريبي مرتفعاً على فئة محدودة، لكنه ضعيف على مستوى الاقتصاد ككل.
كما تلعب كفاءة الإدارة الضريبية دوراً أساسياً. فالدول التي استثمرت في الرقمنة وربط الضرائب بالمعاملات البنكية والجمارك، نجحت في رفع إيراداتها دون زيادة كبيرة في النسب القانونية. أما حين تكون أدوات المراقبة ضعيفة، فإن الفجوة تتسع بين ما ينص عليه القانون وما يُحصَّل فعلياً.
ولا يمكن إغفال البعد الاجتماعي والسياسي للضريبة. فحين لا يرى المواطن مقابلاً واضحاً لما يدفعه من خدمات عامة، تضعف ثقته في النظام الجبائي، ويتحول التهرب إلى سلوك شائع. بينما في الدول التي استطاعت، ولو نسبياً، ربط الضريبة بالخدمة العمومية، يكون الامتثال الضريبي أعلى.
الخلاصة أن مشكلة موريتانيا ليست في مستوى الضرائب بقدر ما هي في بنيتها. فالإصلاح الحقيقي لا يكمن في رفع النسب، بل في توسيع القاعدة الضريبية، ودمج الاقتصاد غير الرسمي، وتحسين الإدارة الجبائية، وربط الضريبة بتحسين الخدمات. عندها فقط تصبح المقارنة مع دول الجوار مقارنة في الأداء لا في الأرقام.

.gif)
.gif)














.png)