على مدار الساعة

الوكالة القضائية للدولة الموريتانية: أية دلالات وتطلعات؟

21 يناير, 2026 - 16:09
محمد اقلمبيت  باحث بسلك الدكتوراه، جامعة محمد الخامس بالرباط، كلية الحقوق أكدال.

تابعتُ باهتمام توصيات الورشات التشاورية التي نظمتها وزارة العدل الموريتانية، في خضم المصادقة على مسودة تعديل مشروع قانون الإجراءات المدنية والتجارية والإدارية التي اختتمت منتصف الشهر الجاري، وما تناسل عنها من مقالات وآراء انصبت على تأكيد ضرورة تقنين إدخال "الوكالة القضائية للدولة" في المنازعات التي تكون الدولة وجميع أشخاص القانون العام طرفاً فيها؛ لما سيحمله ذلك من أثر بالغ في حماية المال العام، وصوناً للمشروعية المادية والإدارية لمختلف تدخلات الدولة، لاسيما ما كتبه الأستاذان الفاضلان: السيد النقيب أ. بون الحسن، ود. الشيخ ابوه.

وآثرتُ -بحكم التخصص والتربص الدراسي بالوكالة القضائية للمملكة المغربية الشقيقة، واحتكاكي البسيط ببعض التجارب الأثيرة في تدبير منازعات الدولة والوقاية منها، وخاصة تجربتي فرنسا والسينغال ومؤسسة المحامي العام للدولة بإسبانيا

)Abogacía General del Estado(

 

التوقف عند بعض الدلالات والتطلعات التي من شأنها أن تثري هذا النقاش الهادف.

وقد كفاني المقالان المذكوران مؤونة تبسيط الأبعاد المفاهيمية والتنظيمية للوكالة الواردة في المرسوم رقم 072-2023 المنشأ لها، وهي لمن قد يتعسر عليه الرجوع المتأني من غير المتخصصين: مؤسسة عمومية ذات طبيعة إدارية، مهمتها الرئيسية الدفاع عن أشخاص القانون العام بدلالتي المنع والتسوية؛ أي منع النزاعات بالوقاية منها عبر إيجاد آليات مبتكرة تساهم في صون المشروعية وتحقيق الاستقرار، والتعهد بتسوية المنازعات التي تكون الدولة طرفاً فيها أمام الهيئات القضائية أو التحكيمية.

أولاً: عن الدلالات العامة..

إن الوكالة هيكلياً تجسد أهم تجليات دولة الحق والقانون؛ حيث يقف الأفراد والمؤسسات على قدم المساواة أمام سلطة القضاء، فتقاضي الإدارة لحماية الصالح العام لا يتعارض مع صون الحقوق الفردية، نظراً للتكامل والتوازن بينهما لتحقيق العدالة.

وتجسد الوكالة القضائية للدولة هذا التكامل في ممارستها لوظيفة الدفاع عن كافة أشخاص القانون العام، كما أنها تكون طرفاً مُدخلاً في الدعوى عندما تستهدف التصريح بمديونية الدولة، وهو ما يؤهلها للقيام بمهام الحماية لكافة المصالح المتعلقة بأشخاص القانون العام حسب المادة الثالثة من مرسوم إنشائها، ويمكن القول إن هذا الدور يؤهلها للدفاع ليس فقط عن المصلحة العامة، بل وأيضاً عن مصالح المواطنين المشروعة؛ إذ يشكل الدفاع عنها دفاعاً عن مصلحة الجماعة وتثميناً للثروة الوطنية وحماية للرأسمال اللامادي الذي أضحى صونه من أهم معايير تقدم الدول.

هذا فضلا عن دورها الأساسي المتمثل في إرساء منظومة اليقظة القانونية من خلال المقاربة الاستباقية والوقاية من المنازعات عبر الدعم والمواكبة القانونية للإدارات والمؤسسات العمومية.

ورغم حداثة التجربة الوطنية (2023) مقارنة بالتجربة الفرنسية (1790) في عهد مؤسسة الوكيل القضائي للخزينة قبل أن تتحول إلى الوكالة القضائية للدولة، والإسبانية (1849)، والمغربية (1928) قبل إعادة تنظيمها بشكلها المعاصر بموجب ظهير 2 مارس 1953؛ فإن السمة الغالبة هي تبعية هذا الجهاز وظيفياً وعضوياً لوصاية وزارة المالية في أغلب الدول الفرانكفونية أو في تلك الموروثة عنها تاريخا، ولهذه التبعية دلالة رمزية درجت الأدبيات الفرنسية على تبريرها ب "ضمانات الدفاع المتسق مع السياسة المالية للدولة"، سبيلا لنجاعة تنفيذ الأحكام، و مركزة للخبرة التي تسمح بدمج الرؤية القانونية بالمحاسبية (تقدير المخاطر المالية)، مما يساعد الدولة على وضع استراتيجيات استباقية للوقاية من النزاعات المكلفة.

ثانياً: عن التطلعات والانتظارات..

إن الاضطلاع بالأدوار الحيوية المناطة بالوكالة القضائية للدولة من مقاربات استباقية ومواكبة استشارية وتسويات قانونية تتطلب مقومات استراتيجية تتجاوز مجرد التأسيس الشكلي؛ فهذا المحور الاستراتيجي يقوم على مواكبة ودعم الإدارات والمؤسسات العمومية، عبر إحداث قنوات وآليات للتنسيق وطلب الاستشارة الفورية ومصاحبة الإدارات العمومية خلال مسار التعاقد واتخاذ القرارات ذات الآثار المالية على ميزانية الدولة، خاصة في مجال الاستثمار والصفقات العمومية.

وينعقد هذا الرهان على عنصرين أساسيين، يعنى أولهما بتوفير الموارد المالية والبشرية والرقمية التي تمكن الوكالة من أداء أدوارها، خاصة في ظل اتساع رقعة النزاعات وتزايد التوجهات الوطنية نحو دعم واستقطاب الاستثمار الوطني والأجنبي، وما قد ينجر عنها من تداعيات ومنازعات ستكلف لا محالة الخزينة العامة أموالاً طائلة، ومن هنا، يظل سؤال الكفاءة البشرية سؤالاً مفتوحاً؟؛.

إذ يجب أن يخضع الولوج لهذه الوظيفة لمسابقات عامة ترتكز على التميز المهني والكفاءة والمردودية بعيداً عن منطق المحسوبية والأقدمية وهو ما أشير إليه في المادة 15 من المرسوم المذكور أعلاه، ويبدو "التعاقد الأولي" الذي قامت به الوكالة القضائية للدولة مع عشرة محامين فقط معتمدا أساسا على شرط أقدمية الترافع أمام المحكمة العليا إجراءً محتشماً بالنظر لحجم المسؤوليات وتشعبها، فوظيفة الوكالة تتطلب أطراً إدارية وقانونية متخصصة في ملفات تفرض طبيعتها دقة تقنية عالية، كالمنازعات الاستعجالية، وتحصيل ديون الخزينة، ونزع الملكية. إلخ..،

مع أهمية استحضار البعد الرقمي والاحصائي لرصد الملفات المعالجة والنتائج المحققة وقياس وتقييم نجاعة الأداء، فضلا عن استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي في التنبؤ والتدبير الاستباقي، الأمر الذي يتطلب استثمارات مالية ضخمة وبنى تحتية صلبة وتكوينا جادا وتأهيلا مستمرا ومحفزا لمواردها البشرية.

ويتمثل الرهان الثاني في الانفتاح على التجارب المقارنة والممارسات الفضلى في تدبير منازعات الدولة من خلال تدعيم التمثيل الوطني في المؤتمرات والمناظرات المحلية والدولية وتبادل الخبرات مع المحيط الإقليمي والدولي.

فإذا كانت الجارة العزيزة السنغال قد أرست دعائم وكالتها منذ عقود ونجحت في توفير مبالغ ضخمة على خزينة الدولة، حيث نجحت في توفير ما يقارب 1,200 مليار فرنك غرب أفريقي أي (حوالي 2 مليار دولار أمريكي) على خزينة الدولة خلال العامين المنصرمين فقط، والحجة على محاضرة قدمها الوكيل القضائي للدولة بالسينغال الأستاذ: أمادو أمباي في ابريل الماضي بالرباط في المناظرة الوطنية المنظمة بفندق سوفيتيل حول موضوع: "تدبير منازعات الدولة والوقاية منها، مدخل لصون المشروعية واستقرار الاستثمار وترشيد النفقات العمومية" والتي وسمها غياب المشاركة الموريتانية وهو أسى تقاسمه معي الرجل بعيد اختتام جلسته العلمية.

ومن جهة، فإن المملكة المغربية الشقيقة قد راكمت هي الأخرى تجربة رائدة؛ حيث نجحت الوكالة القضائية للمملكة في توفير ما يناهز 31 مليار درهم (قرابة 3.38 مليار دولار) على الخزينة العامة للدولة خلال الأعوام الأخيرة بفعل التدبير المعقلن لمنازعات الدولة، وقد لامستُ نجاعة هذا الأداء عن قرب خلال فترة تربص دراسي بقسم (منازعات الوظيفة العمومية)، حيث عاينتُ نُخباً قانونية جادة وموارد بشرية متخصصة، فضلا عن الإحصائيات المبهرة للتجربتين الإسبانية والفرنسية اللتان لا يشذ أحد عن الاعتراف بريادتهما ونجاعة أداءهما. 

وختاما، فإنني لا أستعجل بهذا الحكم على مؤسسة وطنية وليدة، ولا أضرم النار في مراكب تأخرت عن ركبها الدولي والإقليمي في عباب بحر التقاضي اللجي، قدر ما تحمله هذه الكلمات من نوايا صادقة يمليها الواجب الأخلاقي والعلمي علها تثري النقاش العمومي الجاد وترفع تحدي تجويد الممارسات الوطنية وتفضي إلى صياغة استراتيجية وطنية طموحة في تدبير منازعات الدولة والوقاية منها، دون مداهنة أو مجاملة ولكنها تعترف أيضا بإيجابية خطوة التأسيس الشكلي وتثمن مساعي التقنين الذي سيكفيها مؤونة إثبات الصفة أمام القضاء دون حاجة إلى إدلاء بتفويض أو تكليف، وكلي يقين أيضا، أن مستقبل هذه التجربة سيبقى رهن اختيار "خط دفاع" مؤهل؛ فمن أساء اختيار دفاعه قتل بضعف أدائه كل مقاربة تسعى لتجاوز التدبير العشوائي الذي صاحب عقودا من منازعات الدولة مكلفا خزينتها أموالا طائلة ومحجرا على الناس في تنفيذ أحكامهم الصادرة ضد المؤسسات العمومية، وحلب كل جهد هجومي لمحاربة الفساد في "ظاية" أو بركة سائلة، وأهدر من المال العام ما قد يتجاوز أثر النهب والتبديد وسوء التسيير.