على مدار الساعة

أمريكا بعد الطوفان

18 يناير, 2026 - 12:13
الشيخ عبد الله الشيخ المختار

أرعدت أمريكا وأزبدت وهاجت وتمردت بعدما رأت عظمتها التكنولوجية وحصاد سنيها تداس وتضرب في مقتل على يد فتية يستخدمون أسلحة متواضعة فكسروا حاجز الخوف الأمريكي الإسرائيلي، وبرهنوا على أن دولة المحتل أوهن من بيت العنكبوت لاعتمادها كليا على التقنية الحديثة، وما إن انكشفوا حتى وقعوا بين أسير وفار وقتيل استوى في ذلك الجنرال والجندي والمرأة والرجل، بينما ظلت المقاومة صامدة مظهرة بسالة منقطعة النظير معتمدة على إيمانها بالله وعدالة قضيتها، وانتزعت تعاطفا دوليا حتى من جيران أمريكا كفنزويلا وكولومبيا للدرجة التي دعا فيها رئيس كولومبيا إلى تشكيل جيش دولي لتحرير الأراضي الفلسطينية فأي فتح هذا!

 

وهل أتاك حديث عن مقاومة

يبدد الجبن والتهويل أحيانا

فالآن حين يرينا الله قوته

وبطشه بألد أعداء الله عدوانا

شفى الصدر بــ"الطوفان" إن له

من قلب غزة طوفانا وبركانا

سيهزم الجمع إن الجمع منهزم

فنصرك الله إنا نسأل الآن

 

اجتاح العالم سعار مساندة غزة فهبت شعوب الأرض تقيم الدنيا ولا تقعدها حتى خرج الأمريكيون لأول مرة يقولون شكرا غزة لأنك أنبأتنا بتغول اللوبي الصهيوني في أمريكا وذهاب أموال دافعي الضرائب الأمريكيين لتحقيق رفاهية الإسرائيليين، وطيلة الحرب كثر قتلى اليهود ووقعوا في الأسر ومن ضمنهم أمريكيون، فجن جنون عاد العصر وشكلت جسرا عسكريا جويا سرمديا بين أمريكا والدويلة المحتلة، وأفرجت عن أكثر الأسلحة تطورا وفتكا وسخر الذكاء الاصطناعي للكشف عن مكان الرهائن، لكن حدث ما لم يكن في الحسبان قتل وشرد الغزاويون واليهود على حد سواء، كيف لا وأمريكا الدولة المتعطشة الدماء والتي وجدت بفضل غزوها للعالم الجديد على يد قرصان مجرم هو كولومبوس الذي ادعى زيفا أنه اكتشفها بل سبقه المسلمون، كما صرح بذلك المسعودي في كتابه مروج الذهب أن المسلمين وصلوا لها عام 889 م، أي قبل كولومبوس بـ600 سنة، ومن أدلة ذلك الخرائط الموجودة حتى اليوم في "الاسكوربال" في أسبانيا وهي الخريطة التي رسمها الجغرافي العربي "ابن الزيات".

 

تكاثرت الأدلة على كون الأمريكيين غزاة أبادوا مجتمعات أصلية ليحلوا محلهم شعبا آخر، والدليل على أن وجود المسلمين سابق للغزاة وجود أول وثيقة هدنة موقعة بين رجل من الهنود الحمر مسلم اسمه محمد بحروف عربية مع اكريستوفر كولومبوس لا تزال محفوظة في متحف تاريخ أمريكا.

 

ها هي أمريكا التي تمقت التاريخ الذي يعريها معادية بذلك كل شعوب الأرض الأصلية، وتحتقر جيرانها وحلفاءها، وبعد ذلك يتحدث حاكمها عن الأخلاق أهذه وصاة أمك يا اترمب؟! تلك الأسكوتلندية التي دخلت أمريكا من اسكتلندا بـ50 دولارا فقط! وهي التي قالت عن ابنها: "نعم إنه أحمق ولا يتمتع بأي قدر من الحس السليم ولا يمتلك المهارات الاجتماعية.. لكنه ابني وأتمنى أن لا ينخرط في السياسة لأنه سيكون كارثة" صدقت وهي كذوب.

 

الحقيقة أن أمريكا تمر بأزمة مركبة بين عقرها فلم تعد تنجب قادة حقيقيين ومديونيتها التي تجاوزت 90 تريليون دولارا وهي مفلسة، وهذا ما حدا بترمب للجوء إلى البلطجة للاستحواذ على ثروات العالم وقطع شرايين الصين، ويعلم أن منطقة الشرق الأوسط تغلي وهناك أحلاف عسكرية جديدة كحلف السعودية وتركيا وباكستان وغيرها، وقد تهدم إيران المعبد على الجميع، فتحترق مصافي النفط في الخليج ليختلط الحابل بالنابل فيساند الحوثي وحزب الله إيران ويتوسع نطاق الحرب التي قد تكون حربا عالمية ثالثة، وفي خضم هذا التدافع وعدم اليقين وقع ترمب في الفخ واستولى على جارته فنزويلا، ولأول مرة تشعر أمريكا أنها مهددة لأنها وزعت الظلم بعدالة على الجميع، فأنشأت بذلك قبة دفاعية على غرار القبة الحديدية في اسرائيل، حقا ترمب يجر الولايات المتحدة نحو الهاوية، وكلما ضعفت دولة عظمى ازداد بطشها وكثرت هفواتها.

 

تلك إرهاصات انهيار نظام جبري يتهاوى - قام بعد الاستعمار كورك على ضلع - غير مأسوف عليه، فأمريكا تهدد أوروبا وتحتقرها علنا، {بأسهم بينهم شديد وقلوبهم شتى}، وروسيا تهدد أوروبا باسترجاع دول الاتحاد السوفيتي سابقا، والصين تحاول الاستئثار بمحيطها وتضيق الخناق اقتصاديا على أمريكا الذي كتب على علمها الذي يرفرف على قنة البيت الأبيض "صنع في الصين" وحتى قبعة ترمب التي كتب عليها "اجعلوا أمريكا عظيمة" صنعت كذلك في الصين.

 

أفشلت غزة بعظمتها خطة الغرب المفضية لتفرد اسرائيل بالقوة في منطقة الشرق الأوسط، فتفاجأ بأن المقاومة ما زالت تعطي إشارة حياة لقوتها وقدرتها على الإيلام وليس الخوف من إيران فقط لتتوحد الساحات.

 

هذا امتداد لبطولات على مدار التاريخ الإسلامي يذكرنا أحاديث ضن الزمان بمثلها، كان لأصحابها قصب السبق في حقب شكلت مرويات عذبة ناصعة تزينت بها صفحات التاريخ.

 

أتاك حديث لا يمل سماعه

شهي إلينا نثره ونظامه

إذا ذكرته النفس زال عناؤها

وزال من القلب المعنى ظلامه

 

ومن غابر التاريخ الهادر تطالعنا قصة أبي محجن الثقفي الذي أدمن الخمر وعوقب بموجبها، لكن أشد ذلك قسوة عليه حبسه يوم القادسية فأنشد يقول:

 

كفى حزنا أن تطعن الخيل بالقنا

وأصبح مشدودا علي وثاقيا

إذا قمت عناني الحديد وغلقت

مصارع دوني تصم المناديا

وقد كنت ذا مال كثير وإخوة

فأصبحت منهم واحدا لا أخا ليا

ولله عهد لا أخيس بعهده

لئن فرجت أن لا أزور الحوانيا

هلم سلاحي لا أبا لك إنني

أرى الحرب لا تزداد إلا تماديا

 

فسمعته امرأة سعد فقالت: ماذا تريد؟ فقال: لك علي عهد إن فككت وثاقي وأعطيتني فرس سعد فأقاتل فإن رزقني الله الشهادة فهو ما أريد، وإن بقيت فلك علي عهد الله أن أرجع حتى تضعي القيد في رجلي. فلبس الدرع ودخل المعركة وحمل على القوم برمحه وسلاحه، وجعل القائد سعد يقول: الضرب ضرب أبي محجن والكركر البلقاء، ولما انتهى القتال عاد أبو محجن إلى محبسه فقال له سعد: والله لا أضرب بعد اليوم رجلا أبلى الله المسلمين على يديه ما أبلاهم، وقال أبو محجن: والله لا أشرب الخمر أبدا. وكان ذلك سببا في توبته رضي الله لعظمة الجهاد في قلبه. كما نذكر موقفا لأشجع أسير خلده التاريخ خبيب بن عدي حين قال عندما أمر المشركون بقتله وهو لأسارى غزة قدوة.

 

ولست أبالي حين أقتل مسلما

على أي جنب كان في الله مصرعي

ولكن في ذات الإله وإن يشأ

يبارك على أوصال شلو ممزع

 

وكما نصرت الجغرافيا النبي صلى الله عليه وسلم عندما احتمى بغار ثور كانت أنفاق غزة الدرع الحصينة للمقاومة.

 

علينا إذن استنهاض الهمم واستطراد الأبطال الذين غيروا وجه التاريخ من لدن صدر الإسلام حتى اليوم لمواجهة عاد العصر وابنتها غير الشرعية العبرية.

 

يخطط الأمريكي ذو النفس اليهودي لهيمنة اسرائيل على العالم، وذلك بالقضاء على إيران التي تهدد هذا السرطان وجوديا، ولتسيطر أكثر جرت العالم للاستثمار في الذكاء الاصطناعي لتبليد الأذهان ويتعطل التفكير بين الطلبة وغيرهم كاستخدام الشات جبي تي في الغش في الامتحانات ومختلف مناحي الحياة المعرفية وغيرها ويصبح الذكاء الاصطناعي جزءا لا يتجزأ من حياة الفرد، فيسهل التحكم والتلاعب به، كما خططت لإغراق أوروبا بالمهاجرين ودمج دول غير متجانسة في الاتحاد الأوروبي كأوروبا الشرقية مما قد يهدد بانفجار القوميات والتسبب بحروب واضطرابات داخل القارة العجوز.

 

ولإجبار اليهود على العودة لإسرائيل اختلقوا معاداة السامية وخلطوها مع الصهيونية لكيلا يكون هناك وطن بديل لليهود غير اسرائيل، وكل متظاهر ضد سياستها الهمجية هو عدو للسامية، حتى يلفظهم العالم لشر فعالهم فيتجمعون داخل الدولة العبرية.

 

وتكريسا لمخططاته يعكف المحتل على تنفيذ الفكر الخرافي اليهودي المتمثل في تحديد موعد ذبح البقرات الحمراء التي جلبت من أمريكا، وبناء هيكل سليمان على أنقاض المسجد الأقصى، واستخراج تابوت العهد الذي يعتقد اليهود أنه تحت قبة الصخرة وهو سبب نصرهم في حروبهم في آخر الزمان تحت راية المسيح الدجال حسب اعتقادهم.

 

في خضم هذا الموج المتلاطم، لا يحمل الغد في أحشائه بشارة لأمريكا التي ستغرق في حرب أهلية لمجتمع تنتشر فيه فوضوية اقتناء السلاح، وتتعاظم فيه الامبريالية العسكرية بتدخلها في العالم على مدى 225 عاما على حد تعبير جونسون في كتابه الارتداد، وتعدد المشارب والأهواء، وسياسة التقشف المبالغ فيها وتسريح الدولة الفيدرالية لآلاف الموظفين، وتقليص الإنفاق على البحث العلمي، وكذلك الاستقطاب الحاد والعنف السياسي. وستغرق الصين واليابان والهند والباكستان وغيرها في حروب لا تبقي لا تذر، وهذه المشهدية هي تعبير عن استغلال الصهيونية لأمريكا كأداة لتدمير العالم وفق رؤية "باكس جوديكا" لكي تنشأ إمبراطورية إسرائيل الكبرى، فالحروب أولها كلام وآخرها دماء، ويقررها الشيوخ ويموت فيها الشباب، ويستفيد منها اللصوص سماسرة السلاح الذين يشعلون الحروب لتزدهر تجارتهم. 

 

وفق هذه الرؤية صار الخوف يعشش في عظام سدنة السياسة حتى إنهم يقولون في العلن سيستحيل العالم إلى عالم غير الذي نعرفه، وستنتقل البنوك والمؤسسات المالية إلى اسرائيل وحسبك من شر سماعه بعد أن تسيطر على الممرات المالية وإفريقيا وتنهار أوروبا، لتصبح الدولة العبرية الملاذ الأخير لليهود والغرب، وتكون مركز التجارة العالمية ويخططوا بذلك للتجمع الكبير الذي يقضى من خلاله على المسلمين في معركة فاصلة - تلك أمانيهم - يسمونها معركة "هرمجدون" ويعرفها المسلمون بالملحمة الكبرى، وسينقلب السحر على الساحر فتفشل مؤامراتهم ويضطر العالم لحربهم فقد بلغ السيل الزبى، وسيسقط القناع ليدرك العالم حقيقة النيات الحقيقية للصهاينة فالحق أبلج والباطل لجلج.