على مدار الساعة

العاصمة الاقتصادية التي خنقتها السياسة

9 يناير, 2026 - 20:13
محمد جبريل - medjbril78@gmail.com

منذ الوهلة الأولى يتولد لدينا انطباع إيجابي عن العلاقة بين الاقتصاد والسياسة وأنهما ثنائيان يسند بعضهما الآخر، لكن هذا الانطباع يظل صحيحا ما داما في مسارين متوازيين لكن حين يحدث التقاطع والتداخل تكون الكارثة.

 

هذا بالفعل ما نلمسه في مسار العاصمة الاقتصادية نواذيبو، فقد سجلت مدينة عروس البحر أزهى فتراتها ما بين فترتين، قبل وجود المنطقة الحرة وبروز الأطماع السياسية أو لنكن أقل حدة ونقول: الطموحات السياسية للبعض.

 

من البديهي أن العاصمة الاقتصادية ترتكز أساسا على قطاع الصيد الذي استطاع في أوج عطائه (ما قبل 2012) أن يخلق فرصا قذفت بطبقة من رجال المال والأعمال لكن في صمت ودون ضجيج، في هذا القطاع الحيوي أثرى الكثيرون وخلقوا آلاف فرص العمل للشباب.

 

في هذه الحقبة لم يكن أحد يعرف رموز القطاع ولا اتحادياته ولا حتى التنظير حول إصلاح القطاع وما يصاحبه من منتديات وورشات وكرنفالات...

 

لكن حقبة جديدة كانت تتربص بهذا القطاع الحيوي وبدلا من تطويره وجعله أكثرا تأثيرا في حياة ساكنة مدينة الاقتصاد، بدأت تطفو على سطحه مظاهر ترصد فيها كل شيء سوى الرفاه الذي يتوقع أن ينعم به مجاورو شاطئ غني بأكثر من 2000 نوع من الأحياء البحرية ذات القيمة المالية الأعلى.

 

وعوضا عن ذلك تم إغراق القطاع بالورشات والمبادرات والمنتديات التي لا تمت للواقع تؤسس لمخاض مرحلة جديدة ستتضح معالمها لاحقا (ما بعد 2013).

 

اتسمت هذه المرحلة بتكثيف ما سمي بالإصلاحات والشراكات الدولية الداعمة لسياسات الصيد، بل ظهر لاعب جديد أكثر علمية تمثل في ترسانة من الباحثين في المجال الصيد أسند لهم الرأي العلمي، هذه الخطوة كانت مبشرة إلا أن هؤلاء العلميين اختصر مجال تدخلهم على الافتتاح والإغلاق (الراحة البيولوجية) المتعلقة بالأخطبوط سمكة العملة الصعبة لا غير، أو رحلات "علمية" يختار باحثونا تحويلها إلى رحلات سياحية لا غير!.

 

لا أخفي هنا أنني كنت من المستبشرين بظهور الرأي العلمي في القطاع، وكذلك المنتديات والورشات غير أنها كانت – ونظرا لواقع القطاع حتى الآن - لا تساوي الحبر الذي سُطرت به.

 

إن أكبر تعثر لقطاع الصيد بدأ ما بعد 2013 وتحديدا مع ظهور مشروع سلطة منطقة نواذيبو الحرة فبعد أزيد من عقد لم تفلح المنطقة الحرة في إحداث الفارق حيث تعثر أهم مشروع واعد لها تمثل في ميناء الأعماق وما يُنظر له القائمون على السلطة من وعود خلاقة لهكذا مشروع.

 

اكتفت المنطقة الحرة باستثمارات يمكن وصفها بالسطحية غير العميقة في مجال الصيد، فيما يشبه تسارعا لتسجيل النقاط في نزال ماراثوني ويعود ذلك إلى الخلفيات السياسية للمتعاقبين على رأس سلطة نواذيبو الحرة.

 

وهنا، وعلى ذكر السياسة يعد هذا العامل الجديد (طغيان ما هو سياسي) عاملا مميتا أتى على الأخضر واليابس في مجال الصيد حيث تحولت سياساته إلى قرارات "كرنفالية" لا غير وبأسلوب غير احترافي.

 

وخلاصة القول..

وحتى لا يواصل قطاع الصيد المرتكز الأساسي لتنمية العاصمة الاقتصادية للبلد انحداره نحو الهاوية مخلفا آثارا مدمرة، يجب على المعنيين بالقطاع تحريره وإعادة هيكلته انطلاقا من رؤى علمية مستقلة لا تخضع للتأثير السياسي والحسابات الضيقة.

 

كما يجب التركيز على الإشكالات الجوهرية للقطاع مثل التصنيف ومصانع التبريد وحماية العاملين في القطاع من بحارة وصيادين وانتهاج سياسة شاملة تتجاوز مركزية "الأخطبوط" في السياسات والرؤى وتتجاوز التعلق بالأسواق التقليدية (أوربا – آسيا) متطلعة إلى أسواق جديدة بديلة.