دعيت منذ أيام، إلى الحضور والمشاركة في فعالية سياسية ما، وعندما دخلت وجلست على المقعد المخصص لي، إذا بأحد الحاضرين، ينهض من مقعده، ويجلس بجانبي، ويسلم، وقبل أن أرد عليه السلام والتحية، فاجأني بسؤاله، قالا:
كيف لمن ليست له (كشكوشة أن يهدر)؟
فقلت له، أشرح ذلك أكثر، فلم أفهم ما ترمي إليه؟،
فقال "الكشكوشة" هي جزء لحمي أحمر يسمى بـ"الكشكوشة" كيس ينتفخ ويبرز من فم فحل الإبل كعلامة على الهياج الشديد، يرافقه هدير قوي، وتصرفات شرسة، ويعرف باسم الشقشقة أو الهدارة، ويصاحبه سلوك شرس جدا للفحل، قد يدفع بالفحل إلى التوقف عن الأكل، ويعمد إلى حك جسده على الأرض، مما يتطلب التعامل معه بحذر شديد.
فقلت له فهمت، كفاك شرحا، وما دمت تعرف كل هذه التفاصيل عن الفحل الهائج، فكيف لا تعرف مدى إمكانية هدير فحل بلا "كشكوشة"؟
فابتسم، وقال: لم آلف الإبل من قبل، ولكن، هذا ما لا أستصيغه قطعا، ولكني رأيت مثالا لفحل بلا "كشكوشة" يحاول الهدير أو هو يهدر، رغم أن كشكوشته ذابلة، وملتوية..!
فقلت له، لم يُسعفني الفهم، فهلا أوضحت أكثر، ما ترمي إليه، لعلي أستطيع مساعدتك في تعقل هذه المزحة .
فقال، نحن السياسيون، كفحول الإبل، ففحول الإبل، تهدر وتخرج كشكوشات، في موسم التزاوج، للفت انتباه النوق، وتخويفا لبعضها البعض وتحذيره من الاقتراب للقطيع الخاص بكل فحل، والسياسيون في المواسم السياسية، يهدرون، ويكشف كل واحد منهم عن كشكوشته، ليقول: أنا هنا، محاولا أن يوحي بأنه قادر على حسم المعركة في الموسم، ويظهر شراسة قوية، ويُتقنَ طابعها التخويفي، لِيربحَ حُسن انطباع الغيرِ عنه، لكي يُحسن التعامل معه، أو لِيُدخل الرعب والفزع في نفسه، فيتدبر أمر مجاراته أو مهادنته، فيربح الخداع بذلك.
فقلت له مقارنة أقبلها من بعضَ أوجُهها، ولو أنك قسوت علي، فأنا رجل سياسي، ولكن لا أجيزها، إلا إذا تقدمت ببعض الأمثلة من الواقع السياسي، تُظهر أن بعضهم يحاول إيهام الناس أن له كشكوشة، وأنه قادر على الهدير، والهدير المخيف.
فقال: تعقل وأنت عاقل، وانظر في المشهد السياسي، وأنت تعيش تفاصيله اليومية، هل ما زلت ترى أن من كان يحرك الساحة بشيفرة، أو عبر تعميم سري، أو عبر خطاب تحريضي، أو عبر مهرجان حاشد، يستطيع اليوم أن ينجح عبر تلك الوسائط في تحريك الساحة، تحريكا سلبيا مُخيفا؟.
أم تشاهد واقعا سياسيا عَصِيا على التحريك السلبي، لأن كشكوشة من كان هديره مُزلزلا، قد فقدت عوامل القوة المُهيجة لها.
فقلت له، تُثير فضولي أكثر، وتملكتني الرغبة في معرفة تلك العوامل التي أضعفت هيجان ذلك السياسي السلبي، أو أضعفت كشكوشته أو أفقدته إياها!؟ .
فقال: لعلك تتظاهر بتجاهل الأمر فقط!!؟.
وأردفَ قائلا:
- ألا تعرف ان المهاجرين غير الشرعيين، قد تم طردهم من البلاد دون رجعة؟
- ألا تعرف أن المهاجرين النظاميين، تم ضبط حالة إقامتهم الشرعية، وأصبحوا يمارسون أنشطتهم بحرية ووفق القانون، وحسب ما تخوله لهم مدونة الاستثمار المُشجعة لمن يرغب منهم في الاستثمار في البلاد!؟
- ألا تعرف أن حدود البلاد صارت - رغم ما يناهز ثمانين نقطة عبور - مؤمنة بإحكام، ومن دخل بأية وسيلة، يتم مسكه على الفور ويرد من حيث أتى!؟
- ألا تعرف أن السياسة الاجتماعية في برنامج "طموحي للوطن" لصاحب الفخامة محمد الشيخ الغزواني تقترب أو توشك - بسبب نجاعتها وشموليتها للضعفاء - من القضاء على الفقر والفقر المُدقع، لأن كل القطاعات الخدمية، والمؤسسات مُعبأة لتحقيق العيش الكريم للمواطنين، ولأكثرهم حاجة بشكل أخص؟
انظر إلى ما تفعله مندوبية تآزر، وفيما تقوم به وزارة المرأة والشؤون الاجتماعية، واطلع وانظر في ما تقوم به جهة نواكشوط من خدمة عمومية، مُوجهة بالأساس للضعفاء... وغيرها من القطاعات الخدمية الأخرى.. إلخ!؟
- ألا تعرف أن الشباب يتصدر التدبيرُ عليه اهتمامات المشاريع الحكومية، وأولوية في برنامج صاحب الفخامة!؟
- ألا تعرف أن جميع المواطنين على عموم التراب الوطني، مطلعون ويعرفون ما هي الخدمة العمومية المنفذة والمنطلقة التنفيذ والمبرمجة من خلال إشراكهم في تحديد حاجياتهم من خلال البرنامج الاستعجالي لتنمية مدن الداخل، عبر منهج تشاركي، هو الآن قيد التنفيذ؟
- ألا تعرف وتدرك بوضوح أن الحركة المطلبية، التي كنت تشاهدها يوميا تتجمهر أمام المؤسسات الحكومية، وأمام القطاعات الحكومية الخدمية، بالتحديد، وأمام حتى مؤسسة الرئاسة، لم تعد موجودة، منذ مدة؟،
فلماذا هي كذلك؟،
- ألا تُرجع ذلك إلى تلبية حاجيات تلك الحركة المطلبية؟
- ألا تعرف أن كل القطاعات، مُستنفرة منذ فترة، لخدمة الشعب في كل ربوع البلاد؟
- ألا تعرف، وأنت رجل سياسي، أن الساحة السياسية تطبعها التهدئة بفضل سياسة الانفتاح على الجميع، التي ينتهجها السيد الرئيس؟
- ألا تعرف أن الحقوق والحريات مصانة، ولا وجود لسجين رأي اليوم؟
- ألم تطلع على حجم البنية التحتية في العاصمة، من طرق وكهرباء ومياه... إلخ؟
فقلت له حسنا، هذه العوامل، لا شك أنها مهمة للغاية في إضعاف هدير السياسي السلبي، إن لم تسحب البساط من تحت قدميه، ولكن هل تعتقد أن السياسي المُزعج، صاحب الكشكوشة، قد أفرغ غياب هذه العوامل صلاحية كشكوشته، ولم يعد قادرا على الهدير؟
فقال صاحبي: ألا تلاحظ، أنت أن صاحب الكشكوشة قد ضعف هديره، ولم يعد قادرا على برمجة تظاهرة، ولا مسيرة، ولا حتى وقفة، لأن تلك العوامل فتكت بقوته وعرت زيف قاعدته على حقيقتها؟
هُجر الأجانب، كوقود غير شرعي، شكل لفترة طويلة القاعدة الخلفية له، فكان وجودهم يخفي حجم القاعدة الشعبية الجماهيرية، والتي انكشف حجمها بعد تهجير الأجانب، وظهر الحجم الحقيقي لها، وهو حجم لا يعطي قوة للهدير ولا يساعد في إخراج كشكوشة بالحجم الذي كان يراه الناس وينخدعون به، فيهولوا من شأنه؟.
فقلت له، حقا أنك، أقوى مني نباهة، وأكثر متابعة للساحة السياسية وأقدر على تحليل معطياتها، وفي رصد العوامل التي كانت وراء هدير، وكشكوشة السياسي السلبي.
ولكن؛ ألا ترى معي أنك تبالغ، في وصف ضعف هذا السياسي، ونحن نراه اليوم يُصعد من خطابه، ويَزيدُ من رفع يَديهِ، وفتح ذراعيه وعينيه أكثر، ويحرك جسده، ويرفع صوته ليسمع البعيد قبل القريب، ويزداد وجهه احمرارا، مُلوحا، ومُتوعدا بالمجهول السيء؟
كيف يقوم بذلك، وهو فاقد لكشكوشته، ولم يعد قادرا على الهدير الذي يسمعه البعيد والقريب؟؟.
يُجيب صاحبي، لا تنخدع بالصراخ، فالفحل المغلوب، المطرود من القطيع، يهرب إلى الإمام ويظل يهدر، ولكن هديره خافت، لأن كشكوشته ضعيفة وملتوية، وبالتالي لا تُعيرها النوق أي اهتمام، مثله كمثل الفحل المنحور، يقضي وقتا، قد يطول أو يقصر، وهو يُحرك كل أطرافه وجسده، حتى يرقد في النهاية للمصير المحتوم، وذلك هو الأفق الذي أتوقعه للسياسي السلبي، موضوع الحكاية، يختم صاحبي.
فهل أنت تفهم بعضا مما ذهب إليه السؤالُ؟ وهل توافقه على احتمال تلك النهاية التي توقعها للسياسي السلبي ذاك؟.

.gif)
.gif)













.png)