على مدار الساعة

شذرات من سيرة ومسيرة الدكتور محمد الأمين محمد المصطفى

5 يناير, 2026 - 14:51
أحمد محمد المصطفى - ahmedou0086@gmail.com

الحمد لله رب العالمين، الحمد لمستحق الحمد، حمدا كثيرا طبيا مباركا فيه كما يحب ربنا ويرضى، لا نحصي ثناء عليه هو كما أثنى على نفسه..

 

آمنت بالله ورضيت بقضائه وصدقت موعوده..

 

قبل عشرة أيام، أودعنا أخي وصديقي وشقيقي في روضته بمقبرة رياض الجنان في أغشوركيت، في ختام رحلة أعد لها كثيرا، واستحضرها كثيرا، وقرأ عنها ولها كثيرا ودعا لها كثيرا، ولم يكن عنها من الغافلين - أحسبه كذلك والله حسيبه -.

 

من نعم الله تعالى علي أن كنت قريبا منه في مختلف مراحل حياته القصيرة زمنا، العميقة والأثيرة والعريضة أثرا وتأثيرا، بكل تفاصيلها، فقد شاركني رضاع الوالدة رحمهما الله تعالى ورفع درجتهما في عليين، وتوحد مسارنا الدراسي تقريبا، وإن اختلفت الحصيلة، من مرابع الصبا في أغشوركيت، إلى بعض المحاظر الكبرى في البلاد خصوصا المحروسة تندغماجك، إلى المعهد العالي للدراسات والبحوث الإسلامية وجامعة نواكشوط، ثم جامعات المملكة المغربية..

 

وسأذكر هنا نتفا قليلة من سيرته ومسيرته، أجزم أن كل من خالطه - ولو قليلا - سيعرفها فيه، وسيطالعها بارزة في خلاله اليومية، وفي عطائه العلمي والعملي، ومنها، - بل على رأسها - :

 

1. حسن اعتقاده في الله تعالى وصدق توكله عليه:

فقد كان الأمين مؤمنا حقا، يعبد الله تعالى على بينة من أمره، ويفرده بما هو أهله، ويتوكل عليه حق التوكل.

 

كان جبلا لا تهزه الحوادث، ولا تخيفه المخاطر، ولا يزيده تتابعها وتصاعدها إلا ثقة بالله وتعويلا عليه، والتجاء إليه، سواء في تعاطيه مع الأحداث الكبرى والمصائب العظيمة في فلسطين التي كان مرتبطا بها ارتباطا خاصا، أو في غيرها من الأقطار الإسلامية، أو مع الأحداث والمصائب هنا في البلد، أو مع الأعراض التي كان مصابا بها.

 

كان لا يزيد عند الحدث الجلل أو المصيبة العظيمة على أنة مكتومة تكاد لا تسمع، وهيللة أو حسبلة أو تكبير.. ثم يتغنى بعد بآيات من كتاب الله تعالى أو يترنم بأبيات شعرية جميلة منتقاة ذات علاقة بالموضوع..

 

وقد أكمل السكري فيه عقدين من الزمن، كان فيهما صابرا محتسبا متكلا على الله، يأخذ بالأسباب استجابة لأوامر الشرع لكنه مؤمن أنها مجرد أسباب لا تمنح حياة ولا يؤدي انعدامها إلى موت، فوجودها بحوزته لا يطمئنه، ونفادها أو انعدام مفعولها نتيجة الحرارة أو غيرها ونحن في منطقة معزولة نائية لا يزعجه ولا يخيفه، بل ولا يغير برنامجه الاعتيادي، ثم انضاف للسكري القلب، فما زاده ذلك إلا إيمانا ويقينا وصدق توكل، واندفاعا في العمل؛ نشرا للعلم، ودعوة للخير، ونصرة للمسلمين.

 

كانت له رحم الله ورفع درجته غيرة كبيرة، وحساسية مفرطة تجاه نسبة شيء مما اختص الله به نفسه لغيره، أو إشراك غيره معه، فيغضب لذلك غضبا شديدا يخرجه أحيانا عن طوره، ويبدأ في استعراض الآيات والأحاديث المتعلقة بالموضوع، والمنزهة لله تبارك وتعالى عن الشريك والولد والشبيه. 

 

2. ارتباطه بالقرآن الكريم:

كانت له رحمه الله تعالى علاقة خاصة بكتاب الله تعالى، حفظا متقنا، وتدبرا عميقا، وسعيا لربط الواقع به، وتطويعه له، وتطبيقه بين عباد الله.

 

وقد حفظ نص القرآن الكريم وهو صبي، وحافظ على تلاوته بشكل دائم، ليلا ونهارا، صباحا ومساء، حلا ومرتحلا. لا تكاد تجده إلا وهو يتلو كتاب الله بصوت حسن، ونبرة حزينة، وتغن مؤثر. كان جل ليله للقرآن تلاوة أو صلاة به، وما أحسن وأروع تغنيه بالآي وهو يغالب النعاس.. حينها تأخذ الآيات طريقها إلى القلوب لكأنها تتنزل عليها مباشرة، أو كأن السامع يسمعها لأول مرة..

 

كما كان رحمه الله حريصا على تدبر القرآن، وله ارتباط كبير بكتب التفسير عموما، مع علاقة خاصة بكتابي "أضواء البيان"، و"مراقي الأواه"، وقد حرص على قراءة - وإعادة قراءة - الكتب التي تتحدث عن المقاصد الكبرى للقرآن الكريم، وكتب مرة تدوينة عنونها بـ"تجارب قرآنية"، حث فيها على قراءة ثلاثة كتب والاستعانة بها "في مقام التدبر والعلاقة مع القرآن"، منبها على "ضرورة الرجوع إلى كتب الأمهات لأصحاب التخصص"، وهذه الكتب هي "المحاور الخمسة للقرآن الكريم"، ووصفه بأنه "تجربة قرآنية رسم من خلالها المفكر والعالم المصري محمد الغزالي خريطة القرآن الكريم منطلقا من محور التوحيد، مبينا كيف جمع القرآن في عرضه بين الحجج المقنعة للعقل، والبراهين الدافعة للشبه، والخطاب العاطفي الذي يزرع في المؤمن توقير ربه ويحرره من الآصار والطغيان، وفي الكتاب حديث عن العبادات والأخلاق والقصص القرآني وعوالم الغيب".

 

أما الكتاب الثاني، فهو "بلاغ الرسالة القرآنية"، ووصفه رحمه الله تعالى بأنه "كتاب أودع فيه العالم المغربي د. فريد الأنصاري أسرار تجربته في كشف المقاصد الكبرى للقرآن عبر نمط تدبري يسلك مسلك التساؤل من جهة وربط القرآن بالواقع من جهة، متحدثًا عن الوظائف التغييرية للقرآن، مبينا مفاتيح التدبر والأسباب التي تُفعِّل انعكاس قيم الصلاة في واقع الحياة، مرشدا إلى سبل الدعوة بالحسنى، وصولا إلى مقام الإبصار".

 

والكتاب الثالث هو "خصائص التعبير القرآني" لعبد العظيم إبراهيم، ورأى رفع الله درجته أنه "من بين أهم الكتب البلاغية الحديثة، وهو بحث في الخصائص البلاغية للغة القرآن، وجملة من المداخل المعينة على تذوق القرآن والارتقاء في مدارج التأويل والإدراك، عبر بوابة البلاغة القرآنية في مراتبها المختلفة، مرتبة المفردات والجمل والتراكيب والأسلوب".

 

وقد أقام في ذهنه خارطة للقرآن الكريم، سواء في حفظه أو تدبره، فأحيانا يعلق على موضوع بقوله: "هذا الموضوع تناوله القرآن الكريم في سورة كذا، وأشار له في صورة كذا، وتحدث عنه بشكل تفصيلي في موضع آخر (تلْ أو كَبْلَ)" أو يشير مع قوله "موضع آخر" إلى مكان من رأسه كأنه يحدد الموضع في خارطته الذهنية..

 

وكان - عامله الله بالحسنى - حريصا على ربط القرآن بالواقع، والحث على العودة إليه عند الخلاف أو تباين الآراء، فكثيرا ما كانت مشاركته رحمه الله تعالى في النقاشات سواء الواقعية أو الافتراضية بقوله: "دعونا نرى كيف عالج القرآن الكريم هذا الموضوع؟، ولا شك أن القرآن عالجه، وأن علاجه هو العلاج النافع الذي لن يختلف عليه مسلمان"، وأحيانا يعد هو قراءة قرآنية مؤصلة حول الموضوع ويشارك بها.

 

وقد حرص على عقد جلسات مع طلبة المحاظر في جل المناطق التي زارها لحثهم على التدبر، وعلى بناء علاقة خاصة مع القرآن، وعلى النهوض بمسؤوليات ربطه بالواقع، وتوجيه الواقع به.

 

3. محبته للنبي صلى الله عليه وسلم:

كان رحمه الله تعالى محبا للنبي صلى الله عليه حبا لا يوصف، متعلقا به، حريصا على اتباعه، كثير الإنشاء والإنشاد لمدائحه. وما أكثر ما يحفظ من المدائح وما أشد حرصه على جمعها وحفظها وإنشادها الدائم والترنم بها في أوقات تحليقه الروحي..

 

كما كان كثير الحديث عنه صلى الله عليه وسلم، دائم الحث على اتباعه والتأسي به، حذرا من الابتداع أو الخروج على السنة. وما أكثر ما توقف في أمر رأى آخرين يقومون به، أو يعتزمون القيام، وخصوصا في مجال العبادات لحين العثور على تأصيل شرعي له.

 

4. تعلقه وتطلعه للشــ....ـــهــــ...ـ..ـادة في سبيـــل الله:

كان رحمه الله متعلقا بالشـــ...ـــهــ..ــادة في سبيل الله تعالى، كثير الدعاء والإلحاح على الله تعالى لنيلها، محبا للمــ...ـــجـ...ــاهــ...ــدين ومناصرا لهم بجهده ووقته وماله وجاهه.

 

وأعتقد أن الأمين كان من الشخصيات التي كان الســ...ـــابع أكـــتــوبر 2023 المجيد لحظة فارقة في حياتها، ففي هذا اليوم كان في تونس، وفور علمه بالغــــــــ..ــــزوة الفاصلة كاد يطير فرحا، وتواصل مع كل أصدقائه ومعارفه مهنئا ومستبشرا، ثم اتصل بزملائه أساتذة مؤسسة المحظرة الشنقيطية وحول لهم مبلغا ماليا وطلب منهم إقامة مأدبة احتفاء بهذا اليوم.

 

وقد لاحظت، طيلة العامين الماضيين - ولعل غيري من أصدقائه وزملائه لاحظوا ذلك – أن جل قراءاته في افتتاحه للأنشطة واللقاءات، أو في صلواته كانت بالآيات المتعلقة بالجــ...ــــهـــاد والشــ...ــهـــادة والاستـــشـ..ــهـاد، ومصير الشــــهـــداء ومكانتهم عند الله تعالى. ولا أذكر أي استثناء في هذه القاعدة منذ السابع أكتوبر.

 

كما حرص أميننا على مواكبة مختلف الأنشطة والوقفات التضامنية في العاصمة نواكشوط وكان لإخلاصه ومبادراته وإيجابيته وعلاقاته دور بارز في تنظيم بعضها وإنجاح البعض الآخر، كما سعى جاهدا لأن ينال الداخل حقه في مواكبة الأنشطة التضامنية، فسافر إلى عدة ولايات محرضا على الجـــ..ـهـــاد ودعم المــ...ــجـ..ــاهدين بالتظاهر، وبتقديم المال لهم، وبمقاطعة منتجات الدول الداعمة للعدو.

 

وكان يسر كثيرا بوفود الأشراف التي تصل إلى موريتانيا، ويحرص على مجالستهم ومواكبة أنشطتهم وخدمتهم، وإكرامهم بما يستطيع.

 

ثم جاءت قافلة الصمود المغاربية، وعلم بها الأمين من بعض أصدقائه ومعارفه في تونس، فطار إليها فرحا مستبشرا، وقد كتم أمره، وعقد عزمه، ولم يخبرني بأمر سفره حتى قارب الوصول إلى مطار نواكشوط الدولي.

 

وحين وصل إلى تونس، واجه مشكلة "الإذن الأمني" التي استحدثته ليبيا، فكان إصراره كفيلا بإزالة كل العواقب، ليلتحق بالقافلة، داخل الأراضي الليبية، ويمضون فترة من الــ..ــربـ..ــاط في منطقة خطرة، واجهوا فيها خطر الموت مرات عديدة، وأظلهم شبح الاختطاف مرارا، وذلك على يد مرتزقة لا عهد لهم ولا أمان، ولكن الله سلم..

 

وحين عاد، باشر الإعداد لأسطول الصمود العالمي، وقد حدثني فور وصوله أنهم لا بد أن تكون لموريتانيا سفينتها في هذا الأسطول، وأن ذلك قد يتطلب نحو 50 مليون أوقية قديمة، وحين ألمحت له إلى أن الشعب الموريتاني قد منح أمواله - وسيمنحها - لأيتام فلسطين ولأراملها وإطعاما لجياعها، ولتســ..ـليح مجــ..ــاهـــديـــها، لكن لا أعرف إن كان سيمنحها لشراء سفينة يعتقد بشكل شبه قاطع أن الاحـ....ـــتلال سيصادرها!!، فرد بثقة المؤمن وبلغة صارمة، موعدنا بعد أسابيع وسترى. وكان ما شاهده الجميع من مشاركة موريتانية مشرفة، ومن تزاحم لنبلاء وشرفاء موريتانيا، واضطرار المنظمين للجوء لمعايير صارمة، والانتقاء على أساسها لاختيار المشاركين، وبقاء العشرات منهم مرابطين {وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا} أن حرموا المشاركة في هذا الأسطول، وقطع خطوات وأميال بحرية لكسر الحصار الظالم والجائر، وإدخال الفرح والسرور على الإخوة المحاصرين، كما منعوا من شرف دخول مياه فلسطين المحتلة، وتحديدا المياه الإقليمية لغزة الصادمة، معلمة العالم اليوم.

 

وكان على رأس هؤلاء فقيدنا رحمه الله تعالى، فرغم اتفاق أطبائه سواء أطباء السكري، أو أطباء القلب على استحالة مشاركته في الأسطول، وعلى أنه ركوب البحر يعني خطرا محققا على حياته، فقد أصر على إقامة الحجة على نفسه، وعلى الإعذار إلى الله تعالى، وقام برحلة بحرية تجريبية قرب ميناء نواكشوط واجه خلالها خطرا حقيقيا، وعاد منها بوعكة صحية أقعدته أياما.

 

وكثيرا ما تأسف وتحصر على غيابه عن الأسطول، وعلق على ذلك بظرافة وطرافة قائلا: "لماذا يمنعوني من المشاركة فيه؟ هل يخشون علي الموت؟ أنا في الحقيقة ذاهب إلى هنالك لأموت، ولعل الله يشرفني بأن تكون موتي على أرض غزة، وأن يختلط دمي بدمائهم، وتضم أرضها الطاهرة أعظمي.. فلماذا يخافون علي ما أطلبه وأسعى فيه". لكن صرامة ضوابط المنظمين حالت دون ما أراده.. فواكبهم بشكل دائم لدرجة أنه كان لا ينام إلا قليلا طيلة مسيرة الأسطول..

 

5. بره بوالديه وبإخوانه وأصدقائه ومعارفه:

كان رحمه الله تعالى برا بوالديه وإخوانه وأصدقائه ومعارفه ومن يلتقيهم ولو لمرة واحدة، موفقا في ما يرضيهم ويدخل عليهم السرور، وأذكر في هذا الباب قصصا عجيبة، ونوادر مؤثرة، وقد سمع من زارونا خلال الأيام الماضية من الوالدين والمعارف ما يكفي.. وأنا واثق أن لكل من عرفه أو تعامل معه قصته الخاصة، وحكايته عن بره وإحسانه.

 

منحه الله موهبة خاصة، وقدرة استثنائية على معرفة الشخصيات، واكتشاف مفاتيحهم، وانتقاء مداخلهم، والوصول إلى قلوبهم بكل يسر وسهولة، فهو يختار لكل شخص الأسلوب الذي يناسبه ويعامله بالطريقة التي يفضلها..

 

وقد تحدث كل من عرفه أو خالطه أو تابع عطاءه عن سعة علمه، وتنوع معارفه، وأعتقد أن خبرته الاجتماعية، ومهارته في بناء العلاقات، ودقة أحكامه على الأشخاص لم تكن دون معرفته العلمية، مع إخلاص نادر، ووفاء يفوق الوصف، وطول نفس في الحفاظ على العلاقات ورعايتها.. فالأمين يحتفظ في ذهنه بقائمة بكل من ربطته علاقة به طيلة مساره الدراسي المتنوع، ورحلاته الدعوية الممتدة، وجولاته البحثية، وتجاربه التدريسية، ولكل واحد من هؤلاء مكانه الفسيح في الذاكرة، والأمين يحتفظ بكل معلوماته، وبتفاصيل خاصة معه، ويتابع مسيرته عن بعد إن تعذر اللقاء، ويعرف آخر مستجداته، ويسعى لنفعه ما أمكنه ذلك.. وكثيرا ما عاتبني حين يذكر لي اسم أحدهم ولا أتعرف عليه.. أو حين نلتقي بأحدهم ويلاحظ أني لم أتعرف عليه، أو أسأله عنه بعد انصرافه.. فيضحك ويقول: "هذا فلان.. لا يمكن أن لا تتذكره.. لكن كان معنا يوم كذا وكذا.. وقمنا يومها بكذا وكذا.. وهو ابن عم فلان أو صديق فلان الذي تعرفه..".

 

6. تفانيه في الدعوة وتضحيته في سبيلها:

فقد تعلق توأم روحي بالدعوة إلى الله وضحى من أجلها بكل شيء، وبذل في سبيلها وقته وجهده وصحته، وسافر في سبيلها إلى أقطار شتى، ومناطق متعددة داخل البلاد وخارجها. من الصين شرقا إلى غامبيا غربا مرورا بتونس وتركيا وغيرها من البلدان.

 

أما داخل موريتانيا، فقد زار كل ولايات البلاد ومقاطعاتها وقراها داعيا إلى الله تعالى، معلما الناس الخير، ولم يعذر نفسه، رغم المخاطر على صحته.. ورغم نصائح الأطباء وطلبات وتوجيهات المحبين والمشفقين.

 

لاحظت خلال السنتين الأخيرتين – وخصوصا ما بعد الســــ..ـ.ـابع أكتوبر - دأبا زايدا منه، واندفاعا كبيرا، لدرجة أنه كان يعطي موافقة فورية على كل دعوة تصله لأي نشاط دعوي أو تعليمي، وكنت ألاحظ أحيانا أنه يعطي موافقة على نشاطين متقاربين أو حتى متزامنين، فأكلمه في ذلك، وأسأله، كيف ستوفق بينهما، فيرد بطريقته الخاصة: "لاهي انجي الذو الل اكريب وانقدم لهم شي.. ونجري شور الأخرين وندركهم".

 

7. التواضع الجم:

لقد جمع الله لأميننا من الخصال الحميدة، والميزات النادرة، مع يجعل حائزها فوق الآخرين بمراتب ودرجات، ويدفعه لأن يأخذ المكانة التي تخولها هذه الخصال والميزات، مبتعدا عن الآخرين، وآخذا مساحة منهم، وقاصرا علاقاته ولقاءاته على من يستحقون ذلك. والحقيقة أن بعض من يحوزون إحدى ميزاته أو بعضها يضعون أنفسهم في مراتب خاصة، ويعتزلون مخالطة الآخرين، ويختطون لأنفسهم عالمهم الخاص، وعلاقاتهم المحدودة، ويصعدون إلى أبراج عالية يطلون على الجمهور من خلالها من حين لآخر.

 

أما الأمين فلم تزده خصاله الجمة إلا تواضعا، وقربا من الآخرين، وحرصا على مخالطتهم، وكان حريصا على أن لا يمتاز على الآخرين بشيء، فهو "رجل ما شئت"، "إن كان في الحراسة كان في الحراسة، وإن كان في الساقة كان في الساقة"، وإن تطلب المقام أن يلاعب الأطفال لاعبهم وأنشدهم وعلمهم، وإن اقتضى أن يعلم الأكاديميين علمهم، وإن كان الموقف يتطلب الربط ربط كأجمل ما يكون، وإن كان يتطلب الوعظ فهو الواعظ المؤثر..

 

وبتواضعه رفعه الله مكانا عليا، ووضع له القبول في الأرض، وأحله مكانا مكينا في قلوب عباده، وفي ذلك دليل على محبة الله تعالى له. نحسبه كذلك والله حسيبه.

 

8. الكرم الفياض:

كان رحمه الله غاية في الكرم وسماحة النفس، واحتقار الدنيا، فبقي ما يصله منه في يديه يوزعه يمنة ويسرة ولم يصل إلى قلبه. وكانت أكثر ساعاته فرحا حين يجد مالا يوزعه، أو يكتشف شخصا ما لديه حاجة فيقضيها له، أو يسعى في قضائها.. وما أكثر فرحه حين يرى أن شخصا ما أعجبه بعض شيء ما بحوزته حتى ولو كان زيه الذي يتزيا به فيخرج منه، ويستبدله بغيره، ويسلمه له ويقسم عليه إلا أخذه..

 

لكأن الشاعر زياد الأعجم ابن سليمان مولى بني عبد القيس عناه قوله:

تراه إذا ما جئته متهللا

كأنك تعطيه الذي أنت سائله

كريم إذا ما جئت للعرف طالبا

حباك بما تحنو عليه أنامله

ولو لم يكن في كفه غير نفسه

لجاد بها.. فليتق الله سائله

 

وأعتقد أنه لو نازع من قيلت فيه هذه الأبيات أمام قاض عادل، واستعرض كل منهما حججه أمامه لحكم لأخينا محمد الأمين دون تردد.

 

9. سعة القراءة:

كان واسع القراءة، فهو يقرأ في كل حال، وعلى كل حال، ليلا أو نهارا، وقد بدأ القراءة مبكرا، إذ أذكر ونحن لما نبلغ العشر أنه كان يحفظ فقرات طويلة من كتب ومجلات كنا نطالعها في مكتبة الوالد، كما كانت له طريقة عجيبة في المطالعة، فهو يمر على الصفحة سريعا، ثم يعود للفقرات أو المقاطع التي لفتت انتباهي، ويعيد قراءتها، وأحيانا يترنم بها، وحين يترنم بها فتأكد أنها أخذت مساحتها في الذاكرة، وأنه ستبقى هناك أبدا. ويمكنها أن يعيدها لك نصا ولو بعد عقدين من الزمن.

 

ونتيجة هذا الحب والتعلق بالكتب، فقد جمع مكتبة ضخمة ومتنوعة، ومليئة بأمهات الكتب في فنون عديدة، ويندر أن تراجع كتابا إلا ووجدت عليه حواشي وتهميشات تنبه على المعلومات المهمة، وتستدرك في موضع الاستدراك، وأحيانا تحيل إلى معلومة مكملة أو مفسرة في كتاب آخر، وأحيانا في فن آخر..

 

كان حريصا على مواكبة معارض الكتب حول العالم، ومن آخرها معرض نواكشوط الأخير، وحين يتعذر عليه حضورها يبحث عن طريقة لانتقاء أطايبها بأي طريقة، وكثيرا ما يتيسر له ما أراد، ويتحقق له ما سعى له..

 

في العام 2016، كنا في مؤتمر منتدى الشرق الشبابي في إسطنبول، وأجل أخي حجزه بعد نهاية المؤتمر ليلتحق بمؤتمر آخر حول فلسطين كان من ضيوفه الشيخ الموفق محمد أحمد الراشد رحمه الله تعالى ورفع درجته، وكان الأمين يحب الراشد جدا، ويقرأ كل ما يصدر عنه بحب ونهم، وفور لقائهما بدأ الأمين في سرد كتب الراشد عليه، وكانت نظرات الراشد تراوح بين الانبهار والإعجاب والتأثر، قبل أن يخاطبه بقوله: "أجزتك.. أجزتك.. أجزتك".

 

وفي يوم الثلاثاء 27 أغسطس 2024، أعلن في العاصمة الماليزية كوالالمبور عن وفاة العالم الرباني والداعية المفكر المجــ...ــاهــ..ــد العراقي "عبد المنعم صالح العلي العزي"، محمد أحمد الراشد، وفور علمه بوفاته بدأ مساعيه لحضور الصلاة عليه وتشييعه، وكان يأمل أن تؤخر الصلاة عليه ودفنه ليوم أو يومين عله يلحق به، لكن الشيخ دفن في نفس يوم وفاته. كانت علاقة الأمين به علاقة خاصة أساسها المطالعة الواسعة، والانتقاء الواعي، والتآليف النوعية.

 

10. كثرة ذكر الموت:

كان كثير الذكر للموت، دائم الاستعداد له، ينظر لها نظرة مختلفة عن نظرة كثيرين، وما أكثر ما قرأ فصل "جمالية الموت" من كتاب "جمالية الدين: معارج القلب إلى حياة الروح" للعالم الرباني فريد الأنصاري، ودون بفقرات منه على صفحته أكثر من مرات.

 

ومن الفقرات التي كرر نشرها:

"فأيُّ لذة حقيقية في هذه الدنيا؟ إذا كان بدء المتعة مشعرا بفنائها القريب!؟ ألا بئست حياة يبني فيها الإنسان متعا شتى، حتى إذا هو قارب تمام البناء مات!

هنا إذن يتدخل المفهوم الإسلامي للموت ليعطيها بعدا جميلا!

وإنه حقا لجميل!

فلجمال الموت في الإسلام متعة الوصول!

هل سافرت يوما إلى مكان بعيد وأنت في شوق شديد، أو حنين قوي إليه..؟ هل عدت من غربتك يوما إلى وطن الطفولة والأحباب..؟ صوت الحافلة وهي تقترب من الحمى، أو نفير القطار وهو يطرق المدينة، أو أزيز الطائرة وهي تشرف على تراب الأحبة.. هل وجدت قلبك يدق فرحا وغبطة؟ إنها متعة الوصول!

 

الموت باب الدخول إلى وعد الله الكريم.. وإنما يخاف عندئذ المكذبون، ولا خوف على من آمن بالله ثم استقام.. بل إنه يرجو وعد الله الكريم، وفضله العميم. قال سبحانه: {إنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ ألاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ. نَحْنُ أوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ. وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ. نُزُلاً مِنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ} (فصلت: 29 - 31). إنها آية من الروعة بمكان! فهي تصل - في إحساس العبد المؤمن - الحياةَ الدنيا بالحياةِ الآخرة: {نَحْنُ أوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ}. وتملأ المؤمن سكينة وسلاما، فإنما الملائكة القُبَّاض بالنسبة للمؤمن المستقيم رسل سلام من الله السلام! {الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمْ الْمَلائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلامٌ عَلَيْكُمْ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (النحل: 32)".

 

وفي إحدى رحلات "عصر اللعابة" – وأرجح أنها "انحيرة" - اصطحب أخي معه مجموعة أنظام العلامة المربي محنض باب ولد امين، وحفظ أغلبها، وخصوصا منظومته التي يقول فيها:

والموت نعمة على العباد

والطبع منه ذو نفور باد

وهو انتقال طيب الأرواح

إلى بلاد الأمن والأفراح

فليفرحن ذو الحجا إن يحن

وقت فراقه لدار المحن

 

وكان كثير الترداد لها رحمه الله تعالى ورفع درجته في عليين.

 

11.  القوة في الحق مع سلامة الصدر وعلو الأخلاق:

كان رحمه الله قويا في الحق لا يجامل فيها، ولا يتردد في إعلان ما يراه حقا أو صوابا أيا كانت تبعات ذلك، مع سمو أخلاق وسعت الجميع، وسلامة صدر لا حد لها، ففي الحالات التي يبدي فيها رأيه يحرص على تتبع من قد يكون الرأي أثر عليه أو غير طباعه ليوضح له أكثر ويمازحه، ويزيل ما قد يكون علق بذهنه جراء النقاش، فهو يحفظ للحق حدوده، ويحميها بقوة، بعيدا عن التمييع أو المجاملة على حساب الحقيقة أو المبدأ، ويحتاط في احترام الآخرين وفي صيانة حق أخوتهم وجبر خواطرهم.

 

12. محبة البسطاء والضعفاء والمساكين والزهد الصادق:

وكان شقيق الروح محبا للبسطاء وضعاف الناس، يعاملهم معاملة خاصة، ويلاطفهم، ويتتبع أخبارهم، ويمازحهم ويدخل عليهم السرور. وكانوا يبادلونه المحبة، ويتسقطون أخباره أثناء أسفاره، وينتظرون لحظة عودته بفرح كبير، فهو يحمل لهم البشر والخير العميم.

 

حدثني أحدهم قبل أيام أن الأمين كان يحرص على زيارته من حين لآخر، وأنه صادفه مرة وهو عائد من صلاة العيد، ومازحه وباسطه، ثم دخل إلى المنزل وأرسل له الزي الذي اختاره لعيده. لأنه ربما لاحظ أنه كان ينظر إليه أثناء حوارهما..

 

وكان يقطع مسافات طويلة من أجل زيارة أحدهم، أو إيصال مساعدة إلى آخر، أو الاطمئنان على حالة ثالث.. وهو في كل ذلك يقتدي بالنبي صلى الله عليه وسلم الذي كان من دعائه: " اللَّهمَّ إنِّي أسالُك فِعلَ الخيراتِ وتركَ المنكراتِ وحبَّ المساكينِ وأن تغفرَ لي وترحَمَني وإذا أردتَ فتنةً في قومٍ فتوفَّني غيرَ مفتونٍ وأسألك حبَّكَ وحبَّ من يحبُّكَ وحبَّ عملٍ يقرِّبُني إلى حُبِّكَ".

 

سأحبس القلم، وأتوقف مع هذه النتف القليلة والمتفرقة، وما تركت أكثر، من حرصه على الصلاة على وقتها، ودأبه على حضور الصلوات في المساجد وجهاده في ذلك، ومحاولاته الكثيرة للاستمرار في صيام شهر رمضان والسعي لإقناع أطبائه بذلك، وكثرة قيام الليل، والتوفيق لصلة الأرحام..

 

فاللهم أفرغ علينا صبرا، وارحمه واغفر له وارفع درجته في عليين، واخلفه في عقبه وفينا بخير، وأجزل مثوبتنا وعوضنا خيرا وعوضه خيرا منا، واجمعنا معه في مستقر رحمتك بعد طول عمر في طاعتك مع حسن عمل وتوفيق.