يُحكى أن أحد الموريتانيين في سبعينات القرن الماضي زارَ عاصمةَ السنغالِ داكار، فشاهد كثرة السيارات، فقال متحسرًا: "ؤُفْ يَا دَكَارْ مَذَا فِيكْ مَنْ وَتَه". لم تكن العبارة سخرية بقدر ما كانت تعبيرًا صادقًا عن فجوة بدأت تتشكل مبكرًا بيننا وبين محيطنا، فجوة لم تكن مادية فقط، بل فجوة في الرؤية والتنظيم والقدرة على تحويل الجغرافيا إلى قوة.
"ؤُفْ" العلاقة مع الجار "مَذَا فِيكْ مَنْ نقاط كثيرة يمكن الوقوف عندها، لكن قبل ذلك تحضر الذاكرة صورا من قصص لگْوَيْرَة وأشْوَار ْ تقليدية مثل أشْوَار ْ اسْبَيْنِيّاتْ: "شُوْرْ شوفْ انْدَرْ"؛ أماكن يمكن أن يكون إعرابها الجر، وإن لم يكن جرَّ القرب أو القرابة، فليكن جَرَّتْ لحْصيْرة.
أماكن نحاول التمسك ببعضها شكليًا. وأماكن أخرى ندفع مقابل تذكرها جزء من ثرواتنا ويحتضنُ أهلُها كلَّ زعيمٍ عِرقيٍّ يسعى إلى إحداثِ التفرقة في هذا البلد، هذا إضافة الى دفع ثمن خدمات أساسية كان يفترض أن تكون سيادية، من الاتصالات إلى الصيانة، ومن اليد العاملة إلى تمثيل المؤسسات الدولية، وكل ذلك بينما تبقى عاصمتنا مكشوفة. وهنا يبرز السؤال الجوهري الذي لا يمكن تأجيله: كيف نستفيد من الجار دون أن نذوب فيه؟ وكيف نبني علاقة نِدٍّ بندّ، لا علاقة تبعية؟
في هذ الإطار تصبح زيارة الوفد الرسمي برئاسة الوزير الأول لحظة سياسية يجب استثمارها جيدًا، لا بالمجاملات، بل بوضع مسار واضح ومعلن لعلاقات الجوار.
ففيما يخص السنغال، منحتها موريتانيا حق الصيد في إطار مساعدة أخوية مفهومة، لكن هذه المساعدة لا يمكن أن تتحول إلى واقع يجعل الصيد الموريتاني صيدًا سنغاليًا بحكم الأمر الواقع، ولا أن يصبح السمك الموريتاني منافسًا لنا في الأسواق العالمية تحت اسم غيرنا. ما قُدِّم هو منحة، لا فرصة مفتوحة ولا فريضة دائمة، ومن الطبيعي أن يكون لها مقابل واضح، في إطار ما يمكن تسميته حق الجار.
أما بخصوص المغرب، فلا يعقل أن يستمر احتكار تمثيل المؤسسات الدولية تمثيلا شاملا لموريتانيا، ما يترتب عليه احتكار البيع والصيانة والخدمات، وإقصاء الكفاءات الوطنية من سوقها الطبيعي؛ فالتعاون لا يعني الوساطة الدائمة، والشراكة لا تعني أن يكون طرف واحد هو المستفيد دائمًا.
وفي الداخل، لا يمكن القبول بأن تبقى العاصمة مكشوفة، خصوصًا في قطاعات حساسة مثل الاتصالات والنظافة، وهي قطاعات يعلم الجميع أنها ليست خدمات فقط، بل نقاط سيادة وأمن واختراق محتمل، ما يفرض على وزارة الداخلية إعادة ضبط هذه الملفات بمنطق الدولة لا بمنطق التدبير المؤقت.
وأخيرًا، لا بد من مراجعة السياسة السكنية والأمنية للدولة، إذ لا يمكن لأي بلد، في هذه الظرفية الإقليمية والدولية، أن يظل مكشوفًا أو مرتبطًا أمنيًا بدول أخرى، وهو لا يمتلك مدنًا محمية طبيعيًا، ولا أمنًا غذائيًا كافيًا، ولا قوة ردع حقيقية؛ فبلد بهذه الخصائص يظل معرضًا للخطر.
إن علاقات الجوار لا تُدار بالعاطفة وحدها، ولا تُبنى على المجاملات الظرفية، بل على وضوح المصالح، واحترام السيادة، وتكافؤ الفرص. وموريتانيا، بما تملكه من موقع وثروات وإمكانات بشرية، ليست في موقع من يطلب الإحسان، بل في موقع من يبحث عن شراكات عادلة تحفظ له حقه وتخدم استقراره.
زيارة الوفد برئاسة معالي الوزير الأول تمثل فرصة حقيقية لإعادة ضبط البوصلة، ووضع أسس جديدة لعلاقات تقوم على الندية، وعلى التعاون، وعلى النظر إلى المستقبل. وحده هذا المسار كفيل بأن يحوّل الجغرافيا من عبء إلى قوة، والجار من مصدر قلق إلى شريك مسؤول، والدولة من كيان مكشوف إلى وطن آمن، وقادر على حماية مصالحه.

.gif)
.gif)













.png)