على مدار الساعة

دعاةٌ على أبواب التطبيع

28 ديسمبر, 2020 - 10:25
موسى محمود

تشهد الساحة السياسية الدولية منذ أربع سنوات تقريبا؛ تغيرا جوهريا في التحالفات السياسية والعسكرية، مشكلة بذلك ردة فعل على ثورات الربيع العربي وما نتج عنها من تقلبات في السياسات الداخلية لعدة بلدان محورية في اهتمام القوى العالمية الكبرى، وكذا متأثرة بسياسة "الصراحة للمصلحة، والمخادعة للإيقاع بالخصم" التي انتهجها دولاند اترامب الرئيس الأمريكي في مأموريته السياسية المنقضية، مع زملائه وأعدائه في ساحة الصراع  السياسي اليوم. منطقة الشرق الأوسط.

 

هذه التغيرات المتسارعة في المواقف السياسية كانت واضحة في استراتيجيات القادة العرب، وشكلت خارطة جديدة لتحزبات وتكتلات المنطقة، وبكل تأكيد تغيرت التخندقات الداخلية للبلدان تبعا لتغير الأهداف المتوخاة لدى القيادة والقوى السياسية المعارضة. فتم في حيز زمكاني معين ولهدف ما، ضمن سياسة تحقيق المصلحة؛ صنع إرهاب على مقاس التدين، كسلوك، وكفكرة ثقافية واجتماعية وسياسية.

 

ثم كنتيجة حتمية لما يمكن أن يسمى عملية  "صهر النص الشرعي" ليقولب في شكل فتاوى وهيئات تحتكر الوسطية، تمجد ما يُرجى، وتبتعد بالناس عن حرية التقدير في الأحداث وسلامة التفكير في الأمور؛ تولدت عن ذلك مخاوف لدى العامة من الإسلام السياسي كطرف منافس لأنظمة المزاج، بفعل التشويه المتعمد، وعُكف على تمييع القيم ذات البعد المقدس لدى المسلمين فطريا، بما في ذلك قضية فلسطين ومكانة ثالث المساجد المقدسة.

فبات العربي يخشى إذا ندد بالسلوك الممارس ضد الفلسطينيين ومقدساته؛ أن يصنف "إخوانيا" (مسلما وفق فهمه، مخربا ومهددا للسكينة العامة وفق محددات محتكري الوسطية). 

 

هذا التنميط للإسلام، ولقضية الأمة الكبرى؛ يبدو في الآونة الأخيرة  أنه لم ينطلِ على "العامة" و"العوام السادة"، ولم يفق عند حدود الدول المُماسَّة للكيان الغاصب أو الصانعة لسياسة تغريب الشريعة وحسب، إنما شمل مثقفين وأصحاب رأي منتمين ومستقلين في الوطن وخارجه. وما حمل هذه  الطائفة الأخيرة  من المبررين على التوجه في هذا الاتجاه لم يكن في مجمله(طبقا لما قدموه من تبريرات) سوى من باب الرغبة في قول جهة ما لمتسابق معهم في التزلف وخيانة الأمانة "سبقك بها سُفالَة".

 

ومن المهم بل  من الضروري والحالة هذه لدى بعض الكتاب  والسياسيين المحليين، وخلال كثرة المتحدثين عن التطبيع الخارجي والوطني هذه الفترة، المبررين له كحرية فردية للدول، تبعا للمصلحة الذاتية.. أن يذكر الشعب الموريتاني والسلطة والمبررون للتطبيع.

 

-أنه لا تقدم عملية التطبيع مع الكيان الصهيوني الغاصب أية خدمة لموريتانيا، لا اقتصاديا ولا سياسيا، على ضوء الممكن والواقع، من خلال العودة لاقتصاد وسياسات  البلدين وثقافتيهما، وأنه لدينا  تجربة طويلة مع الكيان في عهد معاوية ينظر لها، وكذلك لبلدان عالمية تجارب مع الكيان ما ربحت منها سوى التهديد القيمي لثوابت مجتمعها داخليا، وتهديد أمنها وسيادتها.

 

-أن مواطن المصالح متغيرة، والأيام دول، والحق واضح  وفلسطين بوصلة الإنسانية.. من سلم بالأمر الواقع؛ زياة على أنه لن  يربح اقتصاديا إلا بما سيقطع من رقبته ( كما يقول المثل الحساني "يگطع من شاربو ولگمو") فإنه خان الله ورسوله وأمن وطنه.

 

-إن الذين يبررون التطبيع ويصفقون له قبل وقوعه؛ سدنة بيت معبد الأوهام، ودعاة لما لا يؤمنون به، ولو أن صدقوا مع ذواتهم لتأكدوا من إحدى مسألتين؛ إما تخلوا عن قيمهم فما عادوا يحسون، أو ضعيفوا علم وفهم هم بحاجة لطلب ما ينقصهم أكثر من حاجتهم للتصفيق بآراء من يافطتها تفوح النتانة وتتجلى الركاكة. فلا تلقوا لهم بالا واجعلوهم للتاريخ آية.

 

وختاما؛ إن قضية فلسطين قضية عادلة، ونصرتها لا يمكن أن تكون بالصداقة مع عدوها المباشر  لانتهاك حقوق أبنائها، والشعوب لا ترضى المهانة، والبيعة للقيم والثوابت من الأمم لا تنقض.. فلا يجرمنكم شنئان أي كان أو القرب من آخر   قادتنا وسادتنا في الفكر والسياسة على أن لا تنصفوا قيمكم وثوابتكم، اعدلوا هو أقرب لمصلحة وطنكم، وما في الغيب من رزق ياتي به الله.