وظائف ومناقصات

على مدار الساعة

إلى دعاة العلمنة... أو الاستلاب الثقافي

8 أكتوبر, 2019 - 16:39
باب ولد سيد أحمد لعلي - Babemed52@gmail.com

قد لا أبالغ عندما أقول إننا في دهرٍ باتت كل الأمور فيه مضبضبة ومغلوطة، ويكفي توجيه أفكار ثلة من مجتمع فاعلة أو مفعولا بها حتى تبدأ تروج لأفكار قد لا تكون غريبة السمع فينا لكن غريبة الصنع وصناعة الفكر أو محاولة إسقاطه في بئة مخالفة للبئة الاجتماعية التي صنع فيها تحدث عنه اختلالات عدة، تمس الفكرة في نواتها وأصلها وقد تلحق بالمجتمع وتؤذي بنائه الفكري والقيمي والثقافي حتى يصعب عليه الاهتداء لذاته هو كمجتمع من جديد وإصلاحها أحرى الاعتماد عليها، تمسُ الفكرة حتى تتغير في مضمونها من أجل الحيلولة في البئة مخالفة للبئة التي أُنتجت فيها وانعدام مسبباتها ودواعيها هنا، وتكيف المجتمع مع ما لا يطيق في أجواء غامضة مضبضبة، والأصل الثقافي والبنائي سيبقى حيا مهما طال الزمن وحاول من حاول طمسه وإمحائه، لأن الهويات الثقافية في مضامينها القيمية والعرفية لا تموت وإن نُسيتْ ولا تفنى مهما أُهملت، وتظل تخدش بصمت وتقاوم في الخفاء إلا أن يحين وقتها، ولنا في التاريخ الاجتماعي لكل الشعوب دليل على ذلك.

 

وليس ثمة دليل أقوى من استنتاجات الثورة الفرنسية والدليل النظري والعملي الذي وقفت عليه بعد نجاحها، عندما عادت إلى الجذور اليونانية القديمة وتبنتها وأحيت فلسفتها واستصاغتها من جديد بإضافات طبعا تواكب العصر، وبإحراجات لا تختلف في مبدئها إلا لتتوافق في منتهاها، فتمت محاربة الكنيسة تماما كما حاربت الفلسفة اليونانية الأسطورة، لأن رجال الكنسة كانوا هم أصل الظلم الذي عيش في القرون الوسطى الأوروبية وساموا الناس ما ساموا من ظلم واضطهاد بحيث كانوا هم والنبلاء لا يشكلون إلا نسبة 2% في المجتمع ويحظون بتمام الامتيازات الإقطاعية والشرفية فضلا عن المناصب في الدولة والعلاقة مع الله على حساب العامة، بحيث أن رجال الكنسية مع كل هذا هم الواسطة الوحيدة بين العبد وربه، وفي الثورة التي قادها "مارتن لوثر" من أجل غربلة الأساس العرفي للكنيسة وتغيره ما فيها من معان تدل على ذلك لمن أراد الاطلاع عليها، وليس على رجال الكنسية والنبلاء أي حقوق، على خلاف العامة التي عليهم كل الواجبات وليس لهم أيةُ حقوق.

 

المهم من الأساس الذي وقف عليه الفكر التنويري الأوروبي الذي لا زلنا نعيش مخلفاته أو فترة من فترات ازدهاره هو هذه العلاقة التي ربطت رجال الدين والنبلاء من جهة بالعامة بما تضم من طبقة عمالية وفلاحية وبرجوازية، وعند قيام الثورة الفرنسية ونجاحها باتت العقدة الوحيدة التي تقف دون المبادئ التي حملت الثورة هي الكنيسة والدين لما ساموا الناس من ظلم واضطهاد قبل مرحلة الثورة، فنتجت العلمانية أي الفصل التام بين المؤسسة الدينية والسياسية من أجل أن تبلغ الثورة مداها الذي تحلمُ به، وهي المبادئ الذي قامت عليها "العدالة والحرية والمساواة".

 

ولقد بُنيت تلك الثورة وبعد تقنين كل شيء بنجاح كبير، لكن الجذور اليونانية التي كانت في متناول المسلمين أكثر من الغرب لم تمت وإنما بقت حية تخدشُ إلى أن حان وقتها وجاءت فرصتها، فتم الإنكباب عليها وتحوليها ترجمة إلى اللغات الأوروبية الأخرى بدل اللاتينية وقد كتب ديكارت أول كتاب فلسفي باللغة الفرنسية وجعلها تسقط من برجها العاجي وتكون متاحة لجميع البسطاء.

 

لكن الإشكالية الأكبر والتي طُرحت أكثر من مرة ولا زالت قائمة بفعل المتغيرات الدولية المحيطة والواقع المزري، هو هل تصلحُ تلك التجربة لنا نحن وهل يمكننا استنساخها والاعتماد على مخرجات بنفس النمط الغربي علما أن المبادئ القيمية لكلا المجتمعين ليست هي هي؟.

 

أولا، إن المبادئ العامة التي دعت إليها الثورة الفرنسية 1789 والتي تم تبنيها بشكل واسع في العالم الغربي شبيهة كامل الشبه بالتي دعا لها النبي محمد صلى الله عليه وسلم أيام دعوته وفي ظل تأسيس دولته، ثم إن الإشكال الذي بُنِيّ به العالم الإسلامي والعربي منذ الاتصال الاول الذي قاده نابليون بحملته على مصر يتمثل في عامل الصدمة وعدم القدرة على العودة والمواءمة أو المواكبة.

 

تمثلت ملامح الصدمة في البعثات العلمية الأولى الذي انطلقت من مصر وعادت بأفكار تنويرية كانت في الوقت نفسه مختلفة عن الواقع المعاش لمصر وأهلها وتسبب في جدالات قوية، أسهمت فيما بعد تلك الجدالات أن تكون نواة لأفكار وإيديولوجيات متناقضة في معظمها ومتحدة في هدفها، وقد ظهرت الدعوة العلمانية بكل تأكيد في تلك الظروف والأثناء راكلا أصحابها كل القيم المتعارف عليها وداعية إلى الانسلاخ والاستلاب في ذات الوقت ومحاكاة الغرب في كل شيء، وهو ما ولد صدامات قوية مع الأزهر والمؤسسة الدينية في ذلك الوقت نتجت من خلال تلك الصدامات دعوات وحركات إصلاحية وإيديولوجيات اتسع لها المقام فيما بعد، يضيق المقام عن التفصيل في كل تلك الأمور حاليا.

 

طبعا عامل الصدمة ولد حالات من الارتباك عجزت من خلالها النخبة عن الاستيعاب أحرى التدارك والتمعن، ووقعت في الفخ الذي رسمه المفكر الاجتماعي العربي قديما "ابن خلدون" عندما أقر بأن "المغلوب مولعٌ بتقليد الغالب"، في حين كان أحرى بهم وعي الاختلاف القيمي والثقافي بين المجتمعات والانطلاق من هذا القبيل من أجل التأسيس أو إعادته من جديد بذوات تبصر جيدا نفسها وتعيها، لا أن تحاول النخبة إلا قليلا سلبها وطمسها في الدرك المجهول بحثا فيه عن أشياء هي من إنتاجنا أصلا، وعوامل تولُدها في الغرب مختلفة تماما عن ما مرّ بنا في العالم الإسلامي من نكسات ونكبات وأزمات، فلم يسبق أن كان رجال الدين واسطة فينا بين العبد وربه، ولا تعمل النخبة الحاكمة أو السادة على اختلاف الدول والعصور في العالم الإسلامي ما فعله نبلاء الغرب أبدا، وبوعي ذلك يكون استراد استنتاجات أزمات لم تُعش لواقع مختلف أمرٌ مقزز ومُميتْ.

 

طبعا لا يعني ذلك تمام الرضا عن الوعي السياسي أو التاريخ السياسي الإسلامي وما وافقه من معارف وفتاوى تحرض في بعض الأحيان وتُبارك في أحيان أخرى ما يتماشا مع صالحها مهما كان، لأن أساس ذلك التاريخ كله يمكن العودة إليه تمحصا ونقدا فيما كتبه المفكر المغربي طه عبد الرحمن حينما فسر إشكاليته انطلاقا من نظريته الائتمانية بالعودة إلى "حرب صفين" بين علي ومعاوية رضي الله عنهما، وما صاحبها من احتياز وانحياز واختيان في ظل صراع طويل بين المتظلمة والمحكمة ظلت في ذلك الصراع قيم "الاحتياز والانحياز والاختيان" تدور بين فلكي الطرفين المتصارعين فتظهر في هذا وقت هزيمته بعضا منها وتظهر في ذلك وقت هزيمته بعضها الآخر حتى الساعة وما يرافقها من صراعي إسلامي إسلامي بين السعودية وإيران.

 

من هذا المنطلق لا يمكن أبدا أن نوقف فاعلية المعرفة على طبيعة الحكم السياسي وإكراهاته وهي إشكالية وقعت فيها كل الأنظمة الإسلامية، حيث أن الصراع بين المؤسسة المعرفية والسياسية صراع كان شرسا في كثير من الأحيان إن لم يكن كلها، لأن السياسي يريد دوما أن يكيف المؤسسة المعرفية له ولا يرضى بغير ذلك، وهذا هو أساس الخطأ كما نراه، لا داعين انطلاقا من ذلك الإقرار بالفصل بينهما، بل هدفنا هو التكامل بينهما في حدود منطقية وأكثر عقلانية ليكمل كل منهما الآخر.

 

بمعنى أن تكون السياسية بإكراهاتها العديدة معبرة عن الجانب الثقافي والمعرفي للمجتمع بدل التنكر له، لأنها أصله الثابت وذاته الحية التي لا يمكن التنكر لها ببساطة ولن تموت إلا لتحيى من جديد تماما كما فعلت الثقافة اليونانية القديمة مع التنوير الفرنسي وعصره، ويكفينا أن ندرك أن العقل اليوناني عجز عن التكيف مع التشريع والثقافة الإسلامية في كثير من الأحيان.

 

من هنا يجب أن ينطلق دعاة التنوير والتقدم لأن القفز نحو المجهول دون إدراك الذات ببعدها الرمزي والتاريخي أمر مضلل، وهذا قد لا يستوعبه المتقولون الذي لا يدركون حقيقة ما يقولون أحرى أن يفهموا التراكيب الثقافية والاجتماعية للأفكار والفرق بينهما على مستوى البيئة الاجتماعية والمجال الجغرافي.