على مدار الساعة

للإصلاح كلمة تساهم في مناقشة قضية الرق الموريتاني

30 مارس, 2018 - 19:33
بقلم الأستاذ / محمدو بن البار

كلمة الإصلاح كنت دائما أكفكف قلمي ساعة كتابتها عن الكتابة في قضية الرق الموريتاني ـ لأني قبل أن يفكر في شأنه أي موريتاني مهما كان لونه عندما تفضل علي ربي بالخروج من البيئة الموريتانــية سنة 1966 ـ وبما أنني ولله الحمد مسلم بدأت أنظر وفي نفس الوقت أفكر في مصادر الإسلام ـ ولماذا أنا مسلم؟ وما يقول الإسلام؟ وما هي فكرته عن الإنسان والحياة؟ وما مصير الإنسان بعد الحياة؟.

 

فعندئذ وجدت الجميع واضحا كل الوضوح ومفصلا في القرآن بأحسن عبارة وكذلك ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم، ونظرا إلى أن القرآن ليس مكتوما ولا ملفوفا ولا مغشى عن أي إنسان، فعندما نظرت في عباراته الواضحة المعنى فإذا كثير من تفسير معانيه كان مستورا عنا نحن هنا في موريتانيا بالبيئة والتـقاليد والعادات، مع أن هذه البيئة والعادات والتقاليد مجمع أهلها على اعتناق الإسلام وهي لا تستطيع أن تستر عن أي أحد منا بعد موته النتائج المبينة له في القرآن.

 

لأن الواقع عند الله في القرآن أن جميع مشاكل الإنسان وما سوف يتعرض إليه بعد الموت مرده إلى الله وحده وليس إلى أي إنسان آخر مهما كانت عظمته عند الله.

 

فمن عند الإنسان النبي الرسول المعصوم في نفسه وقوله وعمله ومصيره لا يتجاوزه ذلك إلى أي إنسان فالجميع جعل الله عليه سياجا مفتاحه عند الله جل جلاله.

 

وهذا السياج هو قوله تعالى: {ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين ثم جعلناه نطفة في قرار مكين ثم خلقنا النطفة علقة} إلى قوله تعالى {ثم إنكم بعد ذلك لميتون ثم إنكم يوم القيامة تبعـثون} وما شابه هذه الآية من السياج الكثير في القرآن الذي يؤكد خصوصية المولى جل جلاله بإيجاد هذا الإنسان وأن مرجعه إليه وحده في الآخرة {وأن إلى ربك المنتهى}.

 

وبذلك تكون البيئة والتـقاليد والعادات وجميع ما فيها خارج هذا السياج وهو تجاوز للصراط المستقيم الذي أمرنا بسلوكه وأن نكرر ذلك وجوبا 17 مرة على الأقل في 24 ساعة.

 

ومن بين ما وجدت أن البيئة والتقاليد والعادات قد سترت علينا حقيقة قضية الرق في الإسلام مبدلة له بهذا الرق الذي وجدناه في موريتانيا، فعندئذ عزمت عندما أعود إلى موريتانيا أن يكون الرق هنا في موريتانيا من أول ما نبدأ بفصله نهائيا عن الرق في الإسلام، كما أن معه كثيرا من ما هو ملصق بالإسلام وهو برئ منه.

 

وعندما رجعت إلى موريتانيا سنة 1969 وقبل ميلاد "أخوك الحر" ونجدة العبيد وغير ذلك من كل ما يتعلق بقضية مكافحة الرق في موريتانيا وعند وصولي مباشرة استدعيت كل من كانت بيني معه قضية رق وهو ولله الحمد قليل جدا لا أكثر من شخصين كنت تـقـليديا لي فيهما مشاركة إرث فقط دون ممارسة رق وقـلت لهما من الآن فصاعدا ليس بيني وبينكم أي قضية رق فبما أن كل واحد منا سيسأل يوم القيامة أمام الله عن حياته فلا رق لي عليكم ولا رق لكم علي ولكن نبقي إخوة مشتركين في التعاون في المشاكل الاجتماعية إلى آخره.

 

وفي سنة 1977 أصبحت أنا مديرا أمنيا في الأمن الوطني وقـلَّ ولاية إلا وكنت مديرا فيها أو المسؤول الأمني الأول فيما يعني الشرطة في الولاية وهذه الولايات هي: روصو ـ تجكجة ـ العيون ـ الزويرات ـ النعمة ـ سليبابي، وفي جميع هذه الولايات كنت أتمنى بعد ميلاد "حركة الحر" أو نجدة العبيد ـ أو أي مواطن منفردا أتمنى أن يأتيني شاكيا من قضية ملك رق سواء كان في الميراث أو في الزواج أو في دعوى الملكية الشرعية لأي إنسان.

 

ولكن مع الأسف لم يتقدم إلي أي أحد ويعلم الله أني لم يصل إلى علمي في ولايتي ولا عند القضاة في المقاطعات التابعة للولاية أي قضية تتعلق بالرق إلى سنة 2003 سنة التقاعد.

 

وعندما كنت سنة 83 في روصو وأصدرت الدولة المرسوم المجرم للرق انتهزت أنا الفرصة وألقيت محاضرة شرعية في مسجد روصو المركزي بحضرة الوالي وأهل المسجد عنوان المحاضرة "معالم التحقيق في شرعية إلغاء الدولة لمسألة الرقيق".

 

وبعد هذه المحاضرة انتهزت الفرصة بعد ذلك وأصدرتها كتيبا في حجم 56 صفحة من القالب الورقي الصغير واضطررت أن أنسب فيه نفسي إلى والدي مباشرة دون اللقب العائلي المعروف دائما لئلا يكون غير مسموح لرجل أمني مثـلي بإصدار الكتب لأني أصدرت معه كتبا مبينا فيها ما أدخلته البيئة والتقاليد والعادات علينا في الإسلام وأنا لم نجد في القرآن المفتوح النظر فيه والتفكير في معانيه ما يجعل موضوع تلك الكتب الصغيرة داخلا في الإسلام، وهذه الكتيبات الصغيرة في هذا الموضوع موجودة من ميلادها سنة 1990 في المكتبات.

 

ولكن عندما يطلع شخص مسلم في كتاب معالم التحقيق فسيجد أني وضعته تحت ثلاث أسئلة:

 

الأول: ما هي حقيقة الرق في الإسلام؟

ثانيا: هل تنطبق تلك الحقيقة على ما كان منه موجودا في موريتانيا؟

ثالثا: هل للدولة حق عـتـق أرقاء الآخرين؟

 

وكنت أود أن أجد فرصة في مقابلة تلفزيونية ليسمع فيها المسلم أيا كان لونه وموقفه ما هو الفرق بين الرق في الإسلام والرق في موريتانيا، ولكن لم أجد حتى الآن إلا إذاعة غير تلفزيونية وهي إذاعة "التنوير" وقلت فيها ما أراني الله في ذلك ودائما تعيد إذاعة تلك المقابلة.

 

وبناء على عمق هذه الكلمة الأخيرة وهي وصفنا جميعا بالإسلام بمعنى أن كل واحد منا انتهت حياته من هذه الدنيا ــ وذلك متوقع كل ساعة ــ فعليه أن يدرك ذلك ويفرق إلى أبعد الحدود بين الرق الموجود في القرآن وفي السنة وعمل بمقـتضاه في القرون المزكاة ولا سيما في حياة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة وبين هذا الرق الذي كان موجودا في موريتانيا، والذي أقرب قياس له في أصله ومعاملته وحقيقته هو الرق في الجاهلية.

 

وعليه فإن أكبر غلط وخلط في حياة المسلم أن يجلس مسلم في الساعة التي لا يحس بها بأي ألم دنيوي ويقول الرق بالإطلاق هكذا هو إجرام وهو استغلال الإنسان لأخيه الإنسان.

 

أيها الأخ المسلم اقرأ القرآن لتعرف من هو الإنسان الذي يعتبره الإسلام إنسانا: {هل أتى على الإنسان حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورا إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتـليه} الخ الآية {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تـقويم ثم رددناه أسفل السافلين} بمعنى أنه على أي مسلم أيا كان لونه عندما يريد أن يتكلم عن قضية الرق أن يفصل نهائيا بين الرق الذي أباحه الإسلام وجعل له مصدرا وحيدا هو الأسر في جهاد شرعي بقيادة حاكم شرعي وشرعيته الإسلام القرآني السني وليست شرعيته الصناديق الحديثة التي يمكن أن تعطي شرعية دنيوية ولكنها لا تعطي شرعية أخروية، وهذا النوع من الرق هو المكتوب أحكامه في الكتب الإسلامية لأن أحكام الله لم تتجدد بعد قوله تعالى {اليوم أكملت لكم دينكم} الآية ولذا فإن المسلمين في القرون الأولى لا يعرفون الرقيق الأسود بل لا يعرفون إلا الأرقاء بيض الألوان، لأنهم هم الذين وقعوا في الأسر أيام الجهاد الشرعي ولذا فإن الدسوقي المصري كتب في ق: 6 هـ عند قول خليل في اليمين: "ثم بعرف شرعي" أن من حلف ليعتقن عبدا لا يبر يمينه إلا بعتق عبد أبيض، مثل اختصاص عرفهم الدابة بالحمار والثوب بالقميص.

 

فبعد إصدار الإعلان القرآني المشهور في الآخرة {لمن الملك اليوم لله الواحد القهار اليوم تجزى كل نفس بما كسبت لا ظلم اليوم} سوف يدرك من كان يخلط بين الرق في الإسلام والرق الموريتاني وحقوق الإنسان الدنيوي فإن قوله تعالى {وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون} كفيلة بنسف فكرته الدنيوية.

 

أما تقويم ما يجرى الآن في موريتانيا من معالجة إنهاء قضية الرق سواء من قرارات الحكومة في الموضوع أو نشاط المطالبين بإنهاء الرق بصفة واضحة من موريتانيا، فإني ألاحظ على الفريقين عدم الرجوع في الموضوع إلى حقيقة الشريعة الإسلامية التي يعرض عليها يوميا سجل كل من مات من الفريقين: الدولة والمطالب باستقصاء إنهاء الاسترقاق.

 

فالرق بما أن موريتانيا كانت بانية له على الرق الإسلامي الشرعي وبما أن جميع الموريتانيين مسلمين سواء كانوا أسيادا أو أرقاء فإن الكثير منهم كان خاضعا له باسم الإسلام وليس باسم الاستعباد والغــــــلبة

أو القوانين المكتوبة غير الشرعية.

 

ونظرا إلى معالجة هذا النوع من قـلوب الفريقين بينهم وبين الله لا يمكن إلا بإظهار التفرقة الواضحة بين الرق الشرعي الموجود نصوصه في الكتب التي كتبت أيام شرعيته بينما الرق الموريتاني في القرون الأخيرة هو رق جاهلي حصل ما بـين الاختطاف والبيع للأحرار مع أن الحرية هي أصل كل إنسان فلم يقع أثـناء الجهاد الشرعي الوحيد المبيح للرق الشرعي، ولكن التقاليد والعادات تنزلت في الدنيا مكان النصوص الشرعية لم تسند عملها في تحريم الرق إلى النصوص الشرعية.

 

فأول مرسوم للدولة جاء بناء على فتوى العلماء وعلقوه على تعويض للأسياد ولم يقع، أما الإجراءات بعد ذلك فلم تستند إلا إلى قرارات الحكومة التي لا تـنسبها للشرع مثـل: تجريم استيراد البضاعة التجارية دون أن تمر بالجمارك فالمهربون إذا نجوا من القبض عليهم لا يشعرون بحرج إسلامي من خرق المصلحة العامة، فكذلك يمكن أن يكون الآن كثير من الأسياد والأرقاء بزعمهم على حد سواء يتورعون عن امتـثال تحريم الحكومة للرق لأنهم يخافون من مخالفته يوم القيامة فمثلا يمكن للشخص الحر أن لا يقدم على تزوج من يظنها ما زالت مملوكة لئلا يكون أولاده عبيدا وهكذا.

 

فكان على الدولة أن تعين مجلسا أعلى من العلماء المسلمين ليخرج بالدليل نصوصا تحرم هذا الاسترقاق وسوف لا تعجزهم تـلك الأدلة على عدم شرعية الرق في زمن السيـبة والقتال الفوضوي والغصب والسلوك غير الإٌسلامي الذي بـيع فيه الأحرار الذي لم يسبق عليهم أي شيء من أنواع الرق وعلى العموم لا رق شرعيا في تلك القرون الأخيرة لأن الاجتهاد في الجهاد الشرعي لا يسترق به.

 

أما الملاحظة على الجانب الآخر فلاشك أنه إبان تأسيس "أخوك الحر" وبعد ذلك نجدة العبيد جاءا في وقتهما، كما يظهر أن زعماءهما جاهدوا وضحوا بروح مخلصة طيبة هدفها هو الحرية فقط للمستعبدين ولذا لم يستعينوا بغير المسلمين لترويج فكرتهم إلا أنهما مع الأسف أسندا تلك المطالبة إلى حرية الإنسان أي إنسان وأن استغلال الإنسان لأخيه الإنسان يعد ظلما صارخا إلى آخره ولم يفرقوا بين الرق الإسلامي والرق الجاهلي قبل الإسلام وبعده، فكم توفي بعد ذلك من أعضاء أخيك الحر ونجدة العبيد وذهبا إلى الله بأفكارهما إلى مكان الخطر الذي لا رجعة فيه ولا عنه وسئلوا عن هذا الفكر وموضعه من الإسلام.

 

فمن أراد أن يعرف أن الإنسان غير المسلم لا قيمة له فلينظر معاملة الله له بعد الموت {خذوه فغلوه ثم الجحيم صلوه ثم في سلسلة ذرعها سبعون ذراعا فاسلكوه} {يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر} أين دور منظمة حقوق الإنسان هناك؟.

 

أما الحركات بعد ذلك فكل سوف يبعث على نيته فهناك عذر قد قيل من قبل صالح لأن يجعلوه أهل الحركات الجديدة عذرا لكل سائل فقد قيل إن رجلا طلب من آخر أن يحمله وراءه على فرس فأجابه بأن الفرس متـلبس بحمل في بطنه فقال له الرجل هو فرس ذكر والذكر لا يحمل فأجابه هو عذر قـلته لك وهو ما عندي إذا أردت أن تـقبله أو لا تـقبله، فكذلك حركات الرق الجديدة لا يـبحثون هل الرق انتهى أو لم ينته فالرق موجود دائما ويجب أن ينتهي.

 

فمن يرد حقيقة استـقصاء نهاية الرق فزيادة على ما كتب أعلاه إسلاميا ليستوي في امتـثاله السيد والمستعبد، فإن البحث عن المجرمين لا يكون بمجرد إنشاء محاكم للشكاية إليها، وإنما يكون بإنشاء لجان ثابتة إن لم تكن في كل بلدية فتكون في كل مقاطعة مكونة من السلطة الإدارية والأمنية والقضائية والمخبرين المهتمين، فإن عـثـر على أي نوع من الاسترقاق سواء كان من طرف الأسياد أو من طرف من يعتـقد أن الرق امتـثاله فريضة وضعها الله لا تستطيع الحكومات إزالتها فعندئذ تبدأ إزالتها والوعي على هذه الإزالة الشرعية.

 

وفي الأخير فإن هناك قضايا أخرى تـتـعلق باصطلاحات مثـل: كلمة لحراطين أو العبيد السابقين بدمج هذه الألفاظ فيما بينها، وكذلك تاريخ أصول لحراطين أو العبـيد السابقين وما يكتب في ذلك بعض المثقفين من إنتاج فكرهم الخاص، كل ذلك يحتاج إلى مقال آخر بإذن الله سوف نكتب فيه ما يسره الله لي في ذلـك {وإن اهتديت فيما يوحى إلي ربي إنه سميع قريـب}.