على مدار الساعة

خبير: ضعف الإنترنت يعوق استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم بموريتانيا (فيديو)

11 يونيو, 2024 - 20:21
الدكتور يحيى محمد الحاج

الأخبار (نواكشوط) ـ قال الدكتور يحيى محمد الحاج إنه لا يمكن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وتطبيقها في التعليم بموريتانيا ما دمنا أمام مشكل ضعف الإنترنت ومحدودية انتشارها في البلاد.

 

وأضاف في حديثه ضمن برنامج «رأي الخبير» الذي تبثه وكالة الأخبار المستقلة، أنه من الضروري دعم توفر الإنترنت للتلاميذ في البيوت، داعيا السلطات وشركات الاتصال إلى بلورة سياسة بهذا الخصوص دعما للتعليم.

 

ولفت إلى أن هناك شبه غياب للبنية التحتية الرقمية الداعمة لاستخدام التقنيات المتطورة في العملية التعليمية، سواء على مستوى المعدات أو الطاقم المدرب على استخدامها أو شبكات الاتصال المناسبة.

 

كما شدد على الحاجة لتوفير حاسوب لكل طالب، مشيرا إلى أنها سياسة معتمدة في بعض الدول وأعطت نتائج إيجابية، لافتا إلى أنه يمكن تحقيق ذلك بالتعاون مع المنظمات الدولية وحتى شركات كبرى مثل غوغل التي لديها استعدادات للأمر.

 

وعن الاستخدامات المتعددة للذكاء الصناعي في العملية التعليمية، قال ولد محمد الحاج إن من أكبر المشاكل التي يواجهها المدرسون عملية التقييم اليدوي/ تصحيح النتائج الذي يكون في بعض الأحيان غير دقيق.

 

وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن من تحليل الأجوبة والكشف عن النواقص، فضلا عن التغذية الراجعة التي تمكن التلاميذ من اكتشاف الأخطاء والاستفادة من التصحيح بينما يتقرغ لاستاذ للتركيز على أمور أخرى أكثر أولوية كتطوير البرنامج.

 

وضمن حديثه عن استخدامات أدوات الذكاء الاصطناعي أكد ولد محمد الحاج  الحاجة إلى أخلاقيات وأعراف أكاديمية لمنع ظواهر مثل الغش عبر هذه الأدوات، مشيرا إلى أن أغلب الدول تحدث تغييرات على مستوى المقررات وأنماط التقييم وتعاطي التلاميذ مع المقررات بشكل عام.

 

والدكتور يحيى ولد محمد الحاج حاصل على شهادة الدكتوراه في علوم الحاسب من جامعة محمد الأول بالمغرب سنة 2001، ويعمل أستاذا منتدبا في برنامج الماجستير للسانيات والمعجمية العربية بمعهد الدوحة للدراسات العليا.

 

كما عمل باحثا بعد الدكتوراه في إحدى المختبرات الفرنسية وشارك في برامج بحثية أوروبية مشتركة، والتحق عام 2015 بمشروع معجم الدوحة التاريخي للغة العربية حيث يعمل خبيرا حاسوبيا.

 

وهذا نص الحلقة: 
 

الأخبار (نواكشوط) ـ قال الدكتور يحيى محمد الحاج إنه لا يمكن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي وتطبيقها في التعليم بموريتانيا ما دمنا أمام مشكل ضعف الإنترنت ومحدودية انتشارها في البلاد.

 

وأضاف في حديثه ضمن برنامج «رأي الخبير» الذي تبثه وكالة الأخبار المستقلة، أنه من الضروري دعم توفر الإنترنت للتلاميذ في البيوت، داعيا السلطات وشركات الاتصال إلى بلورة سياسة بهذا الخصوص دعما للتعليم.

 

ولفت إلى أن هناك شبه غياب للبنية التحتية الرقمية الداعمة لاستخدام التقنيات المتطورة في العملية التعليمية، سواء على مستوى المعدات أو الطاقم المدرب على استخدامها أو شبكات الاتصال المناسبة.

 

كما شدد على الحاجة لتوفير حاسوب لكل طالب، مشيرا إلى أنها سياسة معتمدة في بعض الدول وأعطت نتائج إيجابية، لافتا إلى أنه يمكن تحقيق ذلك بالتعاون مع المنظمات الدولية ومع كبريات شركات التقنية مثل غوغل ومايكروسفت وغيرهما.

 

وعن الاستخدامات المتعددة للذكاء الاصطناعي في العملية التعليمية، قال ولد محمد الحاج إن من أكبر المشاكل التي يواجهها المدرسون عمليات التقييم / تصحيح اليدوي الذي تكون نتائجه في بعض الأحيان غير دقيقة وغير مفيدة من الناحية التشخيصية التي تفيد الطلاب.

 

وأشار إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن من تحليل الأجوبة والكشف عن النواقص، فضلا عن التغذية الراجعة التي تمكن التلاميذ من اكتشاف الأخطاء والاستفادة من التصحيح بينما يتقرغ الاستاذ للتركيز على أمور أخرى أكثر أولوية كتطوير البرنامج.

 

وضمن حديثه عن استخدامات أدوات الذكاء الاصطناعي أكد ولد محمد الحاج  الحاجة إلى أخلاقيات وأعراف أكاديمية لمنع ظواهر مثل الغش عبر هذه الأدوات، مشيرا إلى أن أغلب الدول تحدث تغييرات عميقة على مستوى المقررات وأنماط التقييم وتعاطي التلاميذ مع المقررات بشكل عام.

 

والدكتور يحيى ولد محمد الحاج حاصل على شهادة الدكتوراه في علوم الحاسب من جامعة محمد الأول بالمغرب سنة 2001 ضمن برابمج أوروبية مشتركة، ويعمل باحثا أكاديميا وخبيرا حاسوبيا في مجال المعالجة الآلية للغات الطبيعية بالمركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات بقطر، وأستاذا منتدبا في برنامج الماجستير للسانيات والمعجمية العربية بمعهد الدوحة للدراسات العليا.

 كما عمل باحثا بعد الدكتوراه في إحدى المختبرات الفرنسية وشارك في برامج بحثية أوروبية مشتركة، والتحق عام 2015 بمشروع معجم الدوحة التاريخي للغة العربية التابع للمركز العربي لأبحاث حيث يعمل خبيرا حاسوبيا.

 

وهذا نص الحلقة: 

بسم الله الرحمن الرحيم والصلاة والسلام على رسول الله

نتناول في هذه الحلقة أدوات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاتها في مجال التعليم، بشكل عام.. سنتعرف في المحور الأول على أهمية الذكاء الاصطناعي وخصائصه والفوائد التي يقدمها في مجال التعليم، ثم نقي نظرة سريعة على واقع استخدام الأدوات التقنية بشكل عام في مجال التعليم في موريتانيا، ثم نقدم بعض المقترحات، التي يمكن أن تفعل أو تزيد من وتيرة استخدام التقنيات في مجال التعليم في موريتانيا.

 

لا شك أن كلمة الذكاء الاصطناعي اليوم تدور على كل الألسنة ويتناولها الجميع، لكن لا بأس بإعطاء تعريف ولو بسيط حتى تتبين خصوصيات ومميزات الأنظمة الذكية أو الذكاء الاصطناعي بشكل عام؛ فنقول بشكل مبسط أن الذكاء الاصطناعي هو مجال معرفي ضمن العلوم الحاسوبية يهدف إلى إنتاج أدوات تحاكي القدرة البشرية في التفاعل مع البيئة المحيطة، من خلال اتخاذ قرارات واستنتاجات استنادًا إلى البيانات والمفاهيم المكتسبة. هذا التعريف المبسط يوضح الملامح الأساسية للأنظمة الذكية في هذا المجال. هناك جوانب بارزة في هذا التعريف، أولها البيانات، بمعنى أنه لا بد من وجود كمية من البيانات تمثل الخبرة أو المعرفة التي نرغب في نقلها وأتمتتها.

 

 يأتي جانب التعلم، وهو كيفية نقل هذه المعرفة من الصيغة البشرية إلى صيغة مؤتمتة بحيث يمكن التعامل معها آليا؛ ويتطلب ذلك عملية تلقين وتدريب عبر خوارزميات تعتمد على أسس رياضية وتحتاج إلى حسابات. وفي الجانب الثالث، نحتاج إلى قدرة حسابية، أي جهاز يقوم بالعمليات الحسابية بمواصفات معينة، إضافة إلى ذاكرة لتخزين هذه البيانات والمعرفة البشرية بعد تحويلها عبر الخوارزميات.

 

لدينا إذًا ثلاث ركائز أساسية تميز الأنظمة الذكية عن بقية التقنيات: كمية البيانات الضخمة، عملية التدريب والتلقين، والقدرة الحسابية التي تشمل ذاكرة التخزين. لن نطيل في عملية التعريف وننتقل إلى تصنيف الأنظمة الذكية.

 

يُنظر إلى الذكاء الاصطناعي على أنه ينتمي إلى فئتين: الذكاء الاصطناعي الضيق النطاق، وهي الأنظمة التي تُصمم وتُدرب للقيام بمهام محددة، مثل التعرف على الصور، البصمة الصوتية، أو بصمة اليد، إلخ. هذه الأنظمة تُدرب على مجموعة من البيانات المخصصة، وتكون قادرة فقط على التعامل مع مهام محددة ولا يمكنها التعاطي مع بيانات تختلف طبيعتها عن البيانات التي تم التدريب عليها. هذا النوع من الذكاء يُعرف بالذكاء الاصطناعي ضيق النطاق.

 

وهناك الذكاء الاصطناعي الموسع النطاق الذي يهدف إلى تصميم وتدريب أنظمة قادرة على التعامل مع مهام متعددة، أو حتى أن تكون قادرة على التعامل مع كل شيء بمرور الوقت كما يفعل الإنسان. بعد اكتساب خبرة معينة، تصبح هذه الأنظمة قادرة على التعامل مع مواقف مختلفة من خلال استنتاج قرارات مناسبة أو اتخاذ مجموعة من القرارات بناءً على تجارب مشابهة. هذا المجال لا يزال يتطور، ونشهد في أيامنا هذه تطورات كبيرة فيما يُعرف بالذكاء الاصطناعي التوليدي، الذي أصبح يمتلك القدرة على محاكاة الإنسان بشكل كبير في مجالات محددة، وأحيانًا يفوق الإنسان في السرعة والقدرة على إعطاء إجابات دقيقة.

 

ننتقل إلى موضوع الحلقة وهو استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في مجال التعليم. إذا نظرنا من الناحية التاريخية، نجد أن استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في التعليم مرت بعدة مراحل.

 

 كانت هناك مرحلة أولى من نهاية الستينات إلى منتصف الثمانينات، من 1960 إلى 1975، تميزت بظهور علم المعالجة الآلية للغات الطبيعية، الذي أعطى دفعة قوية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم. هذا العلم يهتم بالمعالجة الآلية للغات الطبيعية، بشقيها المنطوق والمكتوب، ومن الناحية التحليلية والتوليدية. وقد فتح هذا المجال الباب واسعا لتطورات كبيرة نشهدها اليوم في ما يُسمى بالذكاء الاصطنعي التوليدي الذي تتجلا قدراته في الإنشاء والتأليف في عدة مجالات. كل هذا جاء كتطور لما حصل في مجال المعالجة الآلية للغات الطبيعية.

 

 إذا كانت هذه المرحلة تميزت بظهور علم المعالجة الآلية المعروف بـ "Natural Language Processing"، فقد برزت فيها أنظمة، وإن كانت بدائية قياسا لما وصلنا إليه في وقتنا الحاضر، إلا أنها كانت تُعتبر أنظمة ذكية وكانت تتعامل مع الطلاب من خلال طرح الأسئلة والتفاعل مع الإجابات، محاولة تصحيحها وإعطاء تغذية راجعة على الأسئلة. ومن بين البرامج التي عرفت في هذه المرحلة برنامج "إليزا" وبرامج أخرى.

 

أدى التقدم التقني المستمر في مجال الخوارزميات للمعالجة الآلية للغات الطبيعية، إلى جانب تطور القدرة الحاسوبية - أي الجانب الفيزيائي للحاسوب - إلى تمايز مرحلة ثانية بدأت من منتصف الثمانينات واستمرت حتى التسعينات. خلال هذه المرحلة، تطورت الأنظمة التي تُستخدم في مجال التعليم، وظهر مفهوم الأنظمة الذكية في التعليم التي تعرف بـ "Intelligent Tutoring Systems"، وأصبحت تشكل مسارًا مستقلًا في مجالات البحث العلمي. لقد أدى ذلك إلى إنشاء أول مجلة دولية متخصصة في تقنيات الذكاء الاصطناعي في التعليم، صدر منها أول عدد خلال هذه المرحلة، مما يعكس نضج هذا المجال والاهتمام البحثي الكبير الذي بدأ يحظى به.

 

بعد ذلك، شهدت التقنيات تطورًا ملحوظًا في مختلف المجالات، وتحددت مرحلة أخرى من التسعينات حتى عام 2010، تميزت بظهور الإنترنت وانتشار المحتوى الإلكتروني، مما أدى إلى تطور أساليب جديدة في التعليم مثل التعلم الإلكتروني والتعلم عن بعد، اللذان استخدما على نطاق واسع في العديد من الدول والجامعات. وساعد هذا التطور في التغلب على العديد من المشاكل التي كان يعاني منها قطاع التعليم، وتطورت بالمقابل المعالجات الآلية للغات الطبيعية، مما انعكس إيجابًا على دقة الأنظمة وتحسين مستوى تفاعلها مع المستخدمين.

 

ومن ثم، جاءت مرحلة رابعة بدأت بعد عام 2010 ولا زالت مستمرة حتى وقتنا الحاضر، وهي تشهد تطورًا كبيرًا ومتسارعا، خصوصًا في السنوات الأخيرة في التعاطي مع المحتوى بجميع أشكاله، نصوصًا وصوتيات وصورًا وغيرها، سواء بالتحليل أو بالتوليد، أي بالتعرف عليها والتعامل معها أو بإعادة توليدها من جديد. وشهدت هذه المرحلة ما يُعرف ب"روبوتات المحادثة" (Chatbots)، وهي برمجيات قادرة على التحاور بشكل مباشر، ووصلت لمستوى كبير من النجاح والدقة في التعاطي مع المواضيع.

 

بعد هذا التسلسل التاريخي، يمكننا النظر بمستوى أعمق في ما يقدمه الذكاء الاصطناعي فعليًا في مجال التعليم وما هي الفوائد التي يحققها.

 

أدوات الذكاء الاصطناعي تخدم العملية التعليمية بجميع مستوياتها وتحقق فوائد لجميع الأطراف المعنية. فهناك الجانب المتعلق بالطالب وكيف يستفيد من أدوات الذكاء الاصطناعي، وهناك الجانب المتعلق بالمعلم، وهناك الجانب المتعلق بالمؤسسة التعليمية نفسها والإدارة التعليمية. إذا نظرنا إلى الطالب، نجد أن أدوات الذكاء الاصطناعي الآن توفر فرصًا تعليمية متنوعة، تمكن الطالب من التعمق في المحتوى والمقرر الذي يدرسه، وتساعده على فهم وتبسيط بعض المفاهيم.

 

 فالطريقة التقليدية التي تحصر مصدر الفهم والتعلم في ما يقدمه المعلم من شروح أثناء المحاضرات، تحد من قدرة الطالب على استيعاب المفاهيم، إذ قد لا يجد المعلم الوقت الكافي للتعامل مع كل طالب بشكل فردي وتقديم الشرح المناسب له. أما هذه الأدوات فيمكنها أن تعطي للطالب فرصة لزيادة الفهم في مجال معين، والتعامل مع محتويات أكثر، والتقدم بشكل أسرع في المقرر، وبالتالي تفتح له مجالًا واسعًا لزيادة المعرفة وتعميقها. إلا أن ذلك يتطلب المعرفة بالأدوات وكيفية التعامل معها.

 

ولتلبية هذا المطلب، تطور مؤخرًا مجال جديد يعرف بهندسة الأوامر (Prompt Engineering)، وهو يعنى بكيفية استخدام هذه البرمجيات للحصول على أفضل الإجابات وأكثرها دقة؛ فهناك طرق معينة في صياغة الأسئلة تساعد البرنامج وتوجهه بشكل جيد حتى يعطي الإجابة الصحيحة. أما إذا تم التعامل بمستوى من الضبابية والغموض في وضع الأسئلة أو عدم وضوح فيما يراد الوصول إليه، فالإجابات قد لا تكون دقيقة أو لا تلبي الغرض المطلوب.

 

إذًا، الطالب يستفيد بشكل جيد جدًا من أدوات الذكاء الاصطناعي في مجال التعليم لتعزيز الفهم وتطوير القدرات الذاتية، ولكن ذلك يتطلب تحكمًا ومعرفة جيدة بالأدوات.

 

أما على مستوى المعلم، فهذه الأدوات أصبحت الآن كأنها مساعد تربوي (Teacher Assistant)، بمعنى أنه بإمكان المعلم الآن عندما يريد وضع خطة دراسية لمقرر معين أن يستفيد من الأدوات للمساعدة في صياغة الخطة بشكل فعال، مثل تحديد مفردات المقرر وجمع المحتوى وتصميمه بطريقة مناسبة، وكذلك تصميم الأنشطة التعليمية المصاحبة للدروس.

 

كما أن هذه الأدوات تساعد في عمليات التقييم، التي هي من أكبر التحديات التي يواجهها المعلمون، خاصة في البلدان التي تشهد أعدادًا كبيرة في الفصول الدراسية، فالتقييم اليدوي يستغرق وقتًا طويلًا وقد يؤدي إلى نقص في دقة التقييم وتأخر الطلاب في الحصول على تغذية راجعة سريعة لتصحيح أخطائهم. وهي أيضا توفر الفرصة لتحليل الإجابات وأعمال الطلاب وتساعد في كشف النقائص والجوانب التي تحتاج إلى تحسين. بالتالي، يستفيد الطالب من التوضيحات والتوجيهات، ويكسب الأستاذ وقتًا إضافيًا لتطوير المقرر والتركيز على جوانب أخرى.

 

أما بالنسبة للإدارة التعليمية، الطرف الثالث في العملية التعليمية، فيمكنها أيضًا الاستفادة من أدوات الذكاء الاصطناعي في أتمتة العديد من الأعمال، مما يسمح بتخصيص الطاقم لمهام أخرى أو حتى تقليل التكاليف. ف"روبوت المحادثة" (Chatbot)، الذي أصبح شائعًا في المؤسسات التعليمية، يمكنه أتمتة الردود والتعامل مع الاستفسارات والرسائل النمطية بشكل آلي، مما يعود بفائدة كبيرة على المؤسسة.

 

ننتقل الآن إلى الحديث عن واقع استخدام التقنيات بشكل عام في التعليم بموريتانيا. الحقيقة هي أن التعليم في موريتانيا، حسب المعلومات المتوفرة لدي، يعاني من العديد من المشاكل المعقدة التي تتعلق بمختلف الأطراف، معلمين وطلاب ومؤسسات تربوية وما يرتبط بها من تجهيزات. ولكن، الجانب الأكثر تأثيرًا هو البنية التحتية التقنية وأساليب التعليم المستخدمة.

 

 للأسف، هناك نقص كبير في البنية التحتية الداعمة لاستخدام التقنيات المتطورة التي تتطلب وجود حواسيب، مختبرات مجهزة، مدربين مؤهلين، وشبكات اتصال مناسبة. كل هذه العناصر لا تزال، للأسف، ضعيفة جدًا في بلدنا، إن لم نقل غائبة على مستوى المؤسسات التعليمية، وبالتالي، يتم التركيز بشكل أكبر على الأساليب التقليدية في التعليم، حيث الإكتظاظ والتكدس في الفصول الدراسية ونقص الموارد الإلكترونية المتاحة التي يمكن أن تساعد الطالب خارج الفصل وتعزز فهمه للمنهج، مما يؤدي إلى ضعف النتائج التعليمية. وعموما توجد جملة من المشاكل، تعود في جزء كبير منها إلى غياب آلية واضحة أو تبني من قبل الجهات الرسمية لإدخال التقنية في العملية التعليمية. وبالطبع، الانتقال من الوضع التقليدي إلى وضع يسمح باستخدام التقنيات يتطلب خطة مدروسة.

 

لا شك أن الدولة تبذل جهودا وتعمل من سنوات على مجموعة من الخطط، شملت خططا  للتحول الرقمي خلال السنوات الأخيرة، وتتوجه الآن نحو وضع خطة استراتيجية لاستخدام الذكاء الاصطناعي في ختلف المجالات. لكن لا يزال مستوى تطبيقها على أرض الواقع ضعيف جدا إن لم نقل شبه غائب، خصوصًا في مجال التعليم، ويتجلى ذلك بشكل أوضح في مستويات التعليم الأولية: الابتدائي والإعدادي والثانوي. فعلى المستوى الجامعي ربما يوجد بعض الاستخدامات، وإن كانت محدودة ومنحصرة في تخصصات بعينها.

 

ننتقل الآن إلى الجانب الثالث والأخير المتعلق بالمقترحات أو التوجهات التي يمكن اتباعها لتفعيل استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي بشكل عام في مجال التعليم.

 

  حاولت من خلال الاطلاع على بعض الخطط والتوجهات في البلدان التي سبقتنا في هذا المجال، إلى تقديم بعض  الإقتراحات والتوصيات التي أرى أنها كفيلة بخلق البيئة المناسبة لاستخدام التقنيات وبالتالي إحداث قفزة نوعية في أساليب التعليم. وفي مقدمة هذه التوصيات، بناء الرأسمال البشري، بمعنى أننا بحاجة أولًا إلى تكوين الكادر التعليمي، خصوصًا في المراحل الأولى من التعليم، الابتدائي والإعدادي والثانوي، حتى يكون قادرًا على التأقلم مع هذه التقنيات وتقديمها للطلاب وتدريبهم عليها.

 

لا بد من وجود استراتيجية واضحة في مجال  بناء القدرات البشرية وتطوير المهارات والخبرات الموريتانية في مجال الذكاء الاصطناعي من خلال تشجيع البحث العلمي والتطوير في هذا المجال. ولأجل ذلك، ينبغي إنشاء مراكز بحثية متخصصة وتطوير سياسات مناسبة لاستقطاب الكفاءات اللازمة، وتحديد أولويات بحثية تتماشى مع الأهداف الاستراتيجية للبلاد، ووضع سياسات للبيانات وتشجيع إنتاج محتوى مفيد، وإنشاء منصة رسمية لهذا الغرض.

 

من الضروري أيضًا ضمان بيئة تشريعية وتنظيمية تتناسب مع استخدام هذه الأدوات، لأنها تحدث تغييرًا كبيرًا في الأساليب التقليدية المتبعة في التعليم. فعلى سبيل المثال، لو نظرنا إلى الأنشطة الدراسية التي تصمم لتحقيق الأهداف التربوية للمقررات الدراسية، نجد أن جزءا كبيرا منها يعتمد على تكليفات يقوم بها الطلاب خارج الصف؛ إلا أن طبيعة هذه التكليفات وطريقة تصميمها، في ظل وجود أدوات متطورة تمكن الطلاب من الحصول على المعلومات بشكل مباشر وربما دون التأكد من صحتها، تجعلها غير مفيدة على الإطلاق وتفقدها قيمتها التعليمية التي وضعت لإجلها. وليس الحل هنا هو محاربة هذه التقنيات، كما يحصل في بعض الأحيان، وإنما التكيف والتأقلم معها وتوجيه الطلاب لاستخدامها بالشكل الصحيح والمفيد للاستفادة من ما تقدمه من فوائد تعليمية جمة.

 

وعلى هذا الأساس، يجب تغيير الآليات لتشمل أنشطة تشجع الطلاب على استخدام الأدوات بمهارات تحليلية ونقدية. يجب على الأستاذ أن يكون حذرًا وأن يتعامل مع الإشكاليات الناجمة عن الإخلال بمبدأ النزاهة الأكاديمية وأخلاقيات استخدام هذه الأدوات في مجال التعليم، والحفاظ على القيم الأكاديمية. هذا يتطلب تغييرات على المستوى التشريعي والتنظيمي، وهو أمر جديد يتطلب التطوير والتحديث في المناهج الدراسية لمواكبة هذه التغييرات الكبيرة التي تتم على مستوى تصميم المقررات وأنماط التقييم والتعامل مع الطلاب بشكل عام. إضافة إلى ذلك، يجب الاهتمام ببناء البنية التحتية والتجهيزات اللازمة.

 

أتوقع أن الخطة الاستراتيجية التي تعمل عليها وزارة الرقمنة حاليًا ستكون أساسًا متينًا لتنفيذ هذه التوجهات المتعلقة بالسياسة العامة، فغالب الدول الآن تطور خططًا استراتيجية تحدد الملامح العامة والأطر الشاملة لاستخدام الذكاء الاصطناعي على نطاق واسع، وعلى رأس هذه المجالات دائمًا يأتي التعليم، باعتباره ركيزة أساسية في التقدم والتنمية الشاملة للبلدان. نأمل أن ترى هذه الخطة الاستراتيجية النور قريبًا، ولكن الأهم هو تفعيل الخطة والتركيز على تنفيذها.