على مدار الساعة

"تدوير" كبار النافذين المتقاعدين

11 فبراير, 2017 - 11:30

الأخبار (نواكشوط) – عرفت السنوات الماضية إعادة "تدوير" عدد من النافذين المتقاعدين من الوظيفة العمومية"، حيث تم تعيينهم في مناصب أخرى أكبر من وظائفهم التي كانوا يشغلونها قبل التقاعد، أو التمديد لهم في مناصبهم، وخصوصا كبار الموظفين من النافذين، والمقربين من الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز.

 

وقد استفاد عدد من هؤلاء – بعد التقاعد – من التعيين في وظائف جديدة بعائدات مالية أكبر، أو التمديد لهم في مناصبهم، فيما شكلت رئاسة مجالس الإدارات العمومية الوظيفة التي يحضر فيها المتقاعدون بشكل يكاد يجعلها حكرا عليهم.

 

ويأتي التمديد للمتقاعدين، أو تعيينهم في وظائف جديدة في وقت يتزايد في استياء العاطلين عن العمل، وخصوصا من حملة الشهادات، والذين يواصلون منذ سنوات التظاهر أمام القصر الرئاسي، ويعتبرون أن "تدوير المتقاعدين" يفوت عليهم الكثير من فرص التوظيف، في ظل النسبة الكبيرة للشباب في موريتانيا، وتزايد نسب البطالة في صفوفهم.

 

ويقول أحد هؤلاء الشباب إنهم كانوا يعلقون آمالا عريضة على الشعارات التي رفعها الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز بعيد وصوله إلى السلطة، وخصوصا شعار "تجديد الطبقة السياسية"، وما يستلزمه من تجديد الطبقة العمالية التي يجب أن تتجدد بشكل سلس جراء الاستفادة من الحق في التقاعد، وكذا شعار محاربة الفساد، خصوصا وأن التمديد للمتقاعدين، أو توجيههم لوظائف أخرى يمكن أن يصنف فسادا، وتحديدا في ظل وجود عدد كبير من العاطلين عن العمل.

 

صحيفة "الأخبار إنفو"، رصدت "تدوير" الرئيس الموريتاني محمد ولد عبد العزيز لعدد من المقربين منه خلال السنوات الماضية، حيث تم الاحتفاظ لهم بوظائفهم، أو وجهوا لوظائف أكبر منها، ومن بين هذه الشخصيات:

 

المستشار كبير المفاوضين..

العقيد المتقاعد الشيخ ولد باي، الصديق الشخصي للرئيس ولد عبد العزيز، كان على رأس المتقاعدين "المحظوظين" حيث تقاعد 2010 من منصب المدير العام لمندوبية الرقابة البحرية والتفتيش، وهو المنصب الذي عاد عليه "بالمليارات" باعترافه، حيث كان يأخذ نسبة 48% من الغرامات المفروضة على السفن المخالفة.

 

بعيد تقاعده ولد باي تم تعيينه مستشارا لوزير الصيد، ومسؤولا عن ملف التفاوض مع الاتحاد الأروبي، ووصف ولد باي بأنه "وزير الصيد في حكومة الظل بموريتانيا"، وظل منذ تقاعده إلى اليوم الرجل الأقوى في ملف الصيد.

 

وبلغ نفوذه درجة تحدي أحد البرلمانيين لوزير الصيد – خلال مساءلة – أن يحضره معه إلى البرلمان، قائلا: "لماذا يتغيب من تفترض تبعيتهم لك عن حضور مساءلتك، وتقديم الآراء حول الملفات التي يمسكون بها".

 

وخلال هذه السنوات كان وزير الصيد يتحول إلى عضو في لجنة التفاوض مع الاتحاد الأوربي، حيث يتولى ولد باي رئاسة الوفد طيلة التفاوض لحين إقرار الاتفاق.

 

وقد تولى – إلى جانب عمله مستشارا لوزير الصيد مسؤولا عن التفاوض مع الاتحاد الأوربي – منصب عمدة بلدية الزويرات، لكن سكان المدينة يقولون إن وجودها فيه محدود جدا، حيث يمر بها من حين لآخر لوقت وجيز، ويمكن عد الليالي التي قضاها فيها على أسابع اليدين، طيلة السنوات الماضية.

 

وقد افتخر ولد باي خلال حملته الانتخابية في الزويرات 2013 بحصوله على المليارات أيام عمله في المندوبية، دون التطرق إلى عائدات عمله في وزارة الصيد، وإمساكه الفعلي بأهم ملفات هذه القطاع طيلة السنوات الماضية.

 

وإضافة لإمساكه بملف الصيد، وملف بلدية الزويرات إحدى أغنى بلديات موريتانيا، يتولى ولد باي رئاسة رابطة العمد الموريتانيين، ورئاسة مجلس إدارة شركات الحراسات الأمنية.

 

منصب يتمناه الوزراء

متقاعد آخر "محظوظ"، بسبب قربه من الرئيس، هو مدير التشريفات لعدة رؤساء ماء العينين ولد التومي، والذي "استفاد من حقه في التقاعد" في العام 2011، ليتم تعيينه في منصب يوصف بأنه أمنية الوزراء في موريتانيا، وهو منصب المدير الفعلي لشركة "تازيازت" العاملة في مجال استخراج الذهب في موريتانيا.

 

ويتيح المنصب الجديد لولد التومي الحصول على امتيازات كبيرة من شركة "تازيازت"، مقابل تولي إدارتها في موريتانيا، وتمثيلها أمام السلطات الموريتانية.

 

وقد حافظ ولد التومي على منصب نائب مدير للشركة في موريتانيا، بعد تعيين الشركة لمدير لها مقيم فيها نواكشوط عقب الأزمة التي عاشتها الشركة مع الحكومة الموريتانية خلال الأشهر الماضية.

 

إدارة مشروع المطار الجديد

ثالث المتقاعدين "المحظوظين" هو كبير ولد سلامي والمتقاعد منذ 2006، بعد مسار عملي قاده للعديد من الوظائف من بنيها إدارة شركة أمن الملاحة الجوية في إفريقيا ومدغشقر.

 

وعمل ولد سلامي – وهو مقرب اجتماعيا من الرئيس ولد عبد العزيز – منذ أكثر من أربعة عقود من الزمن في مجالات لها ارتباط بالطيران، حيث تولى إدارة الطيران المدني الموريتاني أواسط عقد السبعينات من القرن الماضي.

 

وقد اختير ولد سلامي لترأس مشروع مطار نواكشوط الجديد، والذي وقعت اتفاقيته في 2011، وكان مفترضا أن يكتمل خلال 24 شهرا، وتم تمديد فترة المشروع عدة مرات، قبل أن يعلن اكتماله العام الماضي، ويبدأ تشغيله بعد إغلاق المطار القديم.

 

ورغم إعلان اكتمال المشروع فما زال ولد سلامي يتقاضى راتبه من "مشروع مطار نواكشوط الجديد".

 

على رأس التنمية الحضرية

وعلى مشروع التنمية الحضرية يتربع متقاعد آخر "محظوظ" بقربه من الرئيس، هو محمد ولد بابته، والذي تقاعد منذ العام 2010.

 

وقد تزامن تقاعده مع استلام ولد عبد العزيز للسلطة بعيد انتخابه منتصف 2009، عقب اتفاق داكار، وفور تقاعده تم تعيينه منسقا لمشروع التنمية الحضرية، وهو المشروع الذي يدِرُّ على مديره مبالغ مالية طائلة، وأشرف على مشاريع عديدة في نواكشوط وفي ولايات داخلية.\

 

ودخل ولد بابته الوظيفة العمومية منذ عدة عقود، ووصل في أواسط سبعينيات القرن الماضي إلى منصب ملحق إعلامي بالرئاسة الموريتانية.

 

"امبراطور" الوثائق المؤمنة

ومن كبار الموظفين الذي أبقوا في مناصبهم رغم تقاعدهم الإداري المدير العام لوكالة سجل السكان والوثائق المؤمنة امربيه ولد الولي، وقد وصل إدارة الوكالة قادما من إدارة الحالة المدنية، والتي عين عليها 2007، قادما من إدارة شركة خصوصية كانت تعمل في مجال تسويق الغاز المنزلي.

 

وقد بقي ولد الوالي على هذه الوكالة طيلة الأعوام الماضية، ورغم وصوله سن التقاعد تم التمديد له في منصبه إلى اليوم.

 

وبالطريقة ذاتها تم التمديد لوالي ولاية داخلت نواذيبو محمد فال ولد أحمد يوره، والذي تقاعد نهاية العام المنصرم، ويتولى منصب والي ولاية نواذيبو منذ العام 2007.

 

ويعتبر اليوم أقدم وال من بين ولاة الولايات الموريتانية الـ15.

 

"الأمين العام الفعلي" لمجموعة الساحل

ومن أبرز الموظفين الذي شكل التقاعد بالنسبة لهم فرصة للانتقال لوظيفة أخرى، أصحاب الرتب الكبرى العسكريين، ومن بين هؤلاء الأمين العام الفعلي للأمانة الدائمة لمجموعة دول الساحل الخمس العقيد محمد ولد محمد ازناكي.

 

وقد تقاعد ولد محمد ازناكي بعد أن عمل في عدة وظائف، من بنيها ملحق عسكري في الولايات المتحدة الأمريكية، كما عمل لفترة في منطقة تمنراست، للتنسيق بين القوى الدولية والإقليمية.

 

وقد عين ولد محمد ازناكي خبيرا لدى الأمانة الدائمة لدول مجموعة دول الساحل والتي يوجد مقرها في نواكشوط، ويوصف بأنه الأمين الدائم الفعلي لها، في ظل نفوذه الواسع فيها، ودورها البارز في كل الأنشطة التي نظمتها منذ تعيينه فيها إلى اليوم.

 

التقاعد طريق الوزارة الأولى

ومن بين المتقاعدين الذي قادهم التقاعد إلى التعيين في مناصب أفضل الوزير الأول يحي ولد حدمين، والذي تقاعد 2014 أثناء توليه منصب وزير التجهيز والنقل في حكومة ولد محمد الأغظف.

 

وقد وصلت رسالة تقاعد ولد حدمين من إدارة الشركة الوطنية للصناعة والمناجم "اسنيم"، والتي عمل موظفا طيلة العقود الأربعة الماضية.

 

وكما عين ولد حدمين وزيرا أول بعد التقاعد، سار على الطريق ذاته وزير الدفاع جالو مامادو باتيا، والذي اختير لهذا المنصب عقب تقاعده، وهو المنصب الذي بقي فيه إلى اليوم.

 

قائمة أخرى من المتقاعدين

وفضلا عن هؤلاء توجد قائمة كبيرة من المتقاعدين تم الإبقاء عليهم في وظائفهم التي كانوا فيها أو حولوا لوظائف أخرى أفضل، وكانت أسوأ خياراتهم الوصول إلى رئاسة مجالس الإدارات المسماة بـ"إقطاعية المتقاعدين".

 

ومن بين هؤلاء رئيس المجلس الدستوري اسغير ولد امبارك، والذي سبق له أن تولى عدة وظائف سامية من بينها الوزير الأول أيام الرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع.

 

كما أن من بينهم رئيس سلطة تنظيم الصفقات موسى أبو جالو، وكذا رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي مسعود ولد بلخير.

 

ومن بين المتقاعدين في السلك الدبلوماسي والذين تم الإبقاء عليهم في مناصبهم السفير الموريتاني في الأمم المتحدة محمد الأمين ولد الحيسن، وكذا سفير موريتانيا في نيجيريا جا عبد الرحمن، وغيرهما من أعضاء السلك الدبلوماسي.

 

إقطاعية المتقاعدين

وقد واصل المتقاعدون إحكام قبضتهم على مجالس إدارات المؤسسات العمومية، ومن بين هؤلاء، رئيس مجلس إدارة وكالة النفاذ الشامل اسويلم ولد اسويلم، ورئيس مجلس إدارة الوكالة الرسمية للأنباء العسكري المتقاعد أحمد فال ولد بومزونه.

 

وكذا رئيس مجلس إدارة شركة البنى التحتية الرقمية المختار ولد السالك، ورئيس مجلس إدارة شركة المياه الوزير السابق با ببكر سلي، ورئيس مجلس إدارة شركة الكهرباء صوملك الوزير السابق   محمد الأمين السالم ولد الداه، ورئيس مجلس إدارة الشركة الوطنية للمحروقات، ورئيس مجلس إدارة شركة "اسنات" الرشيد ولد صالح.

 

إضافة لرئيس مجلس إدارة شركة "موريتل"، ورئيس مجلس إدارة "موريبوصت"، وغيرهم من إقطاعيات المتقاعدين في موريتانيا.

 

تجاهل للبطالة ولتجديد الطبقات

ويأتي الاحتفاظ بعشرات المتقاعدين في وظائفهم أو تعيينهم في مناصب أخرى في وقت يواصل فيها الشباب العاطلون عن العمل التظاهر أمام قطاعات التشغيل، وأمام القصر الرئاسي كل خميس للمطالبة بتوفير وظائف لهم، ويتهمون الحكومة بتجاهل انتشار البطالة فيهم.

 

وتكشف الإحصاءات الرسمية وصول نسبة البطالة في موريتانيا إلى 27.5%، وذلك وفقا للإحصاء العام للسكان والمساكن في موريتانيا 2013.

 

كما يقول الشباب المحتجون طلبا للتوظيف إن الإبقاء على المتقاعدين أو "تدويرهم" لوظائف أخرى يشكل ضربة قوية لشعار تجديد الطبقتين السياسية والوظيفية، ويحرم الوظيفة العمومية في موريتانيا من مئات الكفاءات الشبابية اللاهثة وراء أي فرصة عن العمل في البلاد.