Uncaught exception thrown in session handler.

PDOException: SQLSTATE[HY000]: General error: 126 Incorrect key file for table './ks37308db4/fd3_users.MYI'; try to repair it: UPDATE {users} SET access=:db_update_placeholder_0 WHERE (uid = :db_condition_placeholder_0) ; Array ( [:db_update_placeholder_0] => 1526556808 [:db_condition_placeholder_0] => 56 ) in _drupal_session_write() (line 219 of /var/www/htdocs/ks37308/html/drup.alakhbar.info/includes/session.inc).


مختارات من تويتر

جاري التحميل ...

على مدار الساعة

في الذكرى الأولى لرحيل العقيد اعل ولد محمد فال

15 مايو, 2018 - 18:24
يوحنا أنور داود - صحفي مصري مهتم بالشأن الافريقي

مقدمة

منذ عام وأيّام قليلة، تحديداً قبل يومين من وفاة العقيد علي ولد محمد فال 05 – 05 – 2017 وأنا أتابع خضمّ الأحداث في الوطن العربي ومآسي الرّؤساء العرب في أوطانهم وتمسّكهم بالسّلطة، حتّى لو على حساب أوطانهم وشعوبهم. لا أعرف لماذا ذهبت بذهني لأبحث عن زعيم حقيقيّ في الوطن العربي غير أولئك الزّعماء الوهميّين الّذين صنعهم ذاك الإعلام الفاسد. ولا أعرف لماذا تذكّرت العقيد ولد فال بعد أن كنت قد نسيته منذ فشل التّجربة الدّيمقراطيّة الّتي حقّقها في موريتانيا بعد انقلاب أغسطس 2008 المشؤوم الّذي قاده الرّئيس الحالي ولد عبد العزيز، والإطاحة بالرّئيس السّابق سيدي ولد الشّيخ عبد الله، أوّل رئيس مدنيّ منتخب انتخاباً حرّاً مباشراً في موريتانيا. فمنذ ذلك الحين توقّف اهتمامي بالشّأن الموريتانيّ بعد أن كانت موريتانيا ضمن اهتماماتي واهتمام الكثيرين في الوطن العربي والعالم منذ انقلاب أغسطس 2005 الذي قاده العقيد الرّاحل، والإطاحة بحكم استمرّ أكثر من عشرين عاماً للرّئيس الأسبق معاوية ولد الطايع وقيادة البلاد لفترة انتقاليّة لم تتجاوز العامين "2005 - 2007. طبعتها التوافقية والتشاركية السياسية بين كل الفرقاء وتميّزت بإخلاء السّجون وتوسيع فضاء الحرّيّات وتقويم الاقتصاد وإصلاحات دستوريّة تحدّد ولاية الرّئيس بخمس سنوات قابلة للتّجديد لمرّة واحدة توّجت بانتخابات رئاسيّة شفّافة فاز فيها سيدي محمد ولد الشيخ عبد الله برئاسة الجمهوريّة" كما قال السفير أحمد ولد مصطفي.

 

لعلّني قد شعرت بقرب أجل الرّجل وأردت أن أكرمه بكلماتي المتواضعة! وقد كان المقال: "العقيد علي ولد محمد فال أين أنت؟!"

 

في أغسطس (آب) عام 2005 كنت شابًا صغيرًا لم يتجاوز عمره العشرين عامًا، عندما قرأت في الأخبار أن هناك عقيدًا يدعى علي ولد محمد فال، قاد انقلابًا عسكريًا ناجحًا ضد رئيس قابع في الحكم منذ أكثر من عشرين عامًا، يدعى معاوية ولد الطايع في دولة أقصي شمال غرب إفريقيا  تقع على المحيط الأطلسي تسمي موريتانيا عاصمتها نواكشوط.

 

وقد أثار الأمر اهتمام هذا الشاب الشديد، وهو الشغوف دومًا بأخبار القرن الإفريقي منذ نعومة أظفاره، وقد قرر أن يتابع ما سيحدث على الرغم من صعوبة الحصول على معلومات وأخبار عن هذه الجمهورية الإسلامية المجهولة بالنسبة لكثيرين.

 

بعد الانقلاب أعلن العقيد على ولد محمد فال أنه غير طامع في الحكم، وطلب من الشعب سنتين لترتيب الأوضاع السياسية والاقتصادية من الداخل، وإعداد دستور يليق بالبلاد، وبعدها سوف يسلم السلطة للشعب يختار من يشاء لحكم البلاد، وأنه لن يرشح نفسه في هذه الانتخابات.

 

وبالفعل قام هذا العقيد بترتيب الأوضاع من الداخل وإعداد دستور قيل بشهادة كثير من خبراء الدساتير إنه أوروبي، وربما كانت لأول مرة في الوطن العربي تذكر مادة فترتين رئاسيتين فقط في دستور دولة عربية.

 

وكانت المفاجأة أنه لم يكمل حتى السنتين التي طلبهما من الشعب، وأنهى ترتيب الأوضاع السياسية والاقتصادية إلى حد كبير  في أقل من عشرين شهرًا، وأجريت ربما أنزه انتخابات رئاسية في الوطن العربي آنذاك برعاية هذا الرجل في مارس (آذار) 2007 لينتخب سيدي ولد الشيخ عبد الله، كأول رئيس جمهورية منتخب للجمهورية الإسلامية الموريتانية.

 

ما حدث بعد ذلك أنه تم الانقلاب على الرئيس المنتخب  ولد الشيخ عبد الله من قبل محمد ولد عبد العزيز رئيس الحرس الجمهوري آنذاك بعد أن قام باحتجاز الرئيس سيدي ولد الشيخ وأقام انتخابات رئاسية أخرى ترشح هو فيها ولد عبد العزيز، وأيضًا ترشح فيها هذه المرة ولد فال، ولكن بالطبع نجح قائد الانقلاب ولد عبد العزيز رئيس الجمهورية الحالي بعد ما قيل عن تزوير الانتخابات واستقالة رئيس اللجنة العليا للانتخابات، ولكن هذا حديث آخر، وأنا هنا أريد أن أقف عند النقطة التي فيها ولد الشيخ عبد الله أول رئيس جمهورية منتخب للبلاد.

 

 أثناء فترة دراستي الجامعية سألنا أستاذ مادة الجغرافيا عن القائد العربي الوحيد الذي سلم السلطة للشعب وأحسست وقتها أنه قد جاءت فرصتي لأحكي قصة هذا الرجل التي طالما حفظتها عن ظهر قلب، ولكني فوجئت أن الأستاذ الدكتور يقصد عبد الرحمن سوار الذهب في السودان، لأحتد عليه بشدة، وأقل له: كيف لا يذكر تجربة ولد فال في موريتانيا، وهي التجربة الأحدث والأنجح والأهم في الوطن العربي؛ ليتجاهل كلامي ويشير إلى بالجلوس، ولم أفهم أن كان يعرف أصلًا العقيد ولد فال أم أنا مجنون!

 

أعرف أني أكتب في جريدة لها قراء في جميع أنحاء الوطن العربي، وأعرف أنه يكتب فيها بعض الكتاب الموريتانيين، كما أعرف أن الشعب الموريتاني شعب مثقف، فإن كان أحدكم يقرأ لي الآن، فليخبرني أين هذا العقيد المتقاعد الآن، وإن كان يعرفه فليستحلفه بالله أن يظهر مرة أخرى، ويخبرنا كيف فعل هذا كيف قاوم شهوة السلطة، وليسأله أن يظهر  مرة أخرى، ويصرخ فينا كلنا، ويفجر غضبه عن الوحشية والأنانية التي فيها أغلب الحكام العرب، فهناك حكام يريدون أن يظلوا في السلطة حتى لو على حساب جثث الشعب كله، وسوريا وبشار ما زال موجودًا وهناك حكام يريدون أن يظلوا في السلطة حتى لو تقطعت أوصال وطنهم والبشير والسودان ليس ببعيد!

 

أظهر لنتنسم أملًا حسبنا أننا لن نتنسمه يومًا ما، واكشف لنا زيفهم وكذبهم جميعًا!

 

 وبعد علمي بوفاة العقيد الرّاحل كتبت مقالاً آخر أنعيه فيه: "العقيد علي ولد محمد فال.. وداعاً"

"هكذا أراد لهم القدر أو أرادوا هم لأنفسهم، للملتحقين بالظل على المسرح وراء نجوم الفن، في الغربة، في الشيخوخة، في قبضة الفقر، في مكتب منزوٍ" هكذا بدأ العظيم يحيى حقي مقدمة كتابه الرائع "ناس في الظل".

 

تذكرت هذه المقدمة وأنا أتابع وفاة العقيد الخالد الذكر بإذن الله علي ولد محمد فال فقيد موريتانيا الراحل وهو منزو في قرية صغيرة في الشمال الموريتاني تسمى تيرس زمور قرب مدينة الزويرات، بعيدًا عن صخب المدينة وأطماعها يرعى الإبل وهو الرئيس الأسبق لهذه الجمهورية الإسلامية وأهم رجل بها الذي ترك منصبه بمحض إرادته لرئيس يختاره الشعب دون  أن يجعل نفسه حتى أحد هذه الخيارات! وكأن الرجل كما أعطانا درسًا في حياته عن نكران الذات والخير المجرد والتواضع أراد أن يعطينا نفس الدرس وهو على فراش الموت!

 

يوم الأربعاء الموافق الثالث من مايو كتبت مقالًا عن العقيد علي ولد محمد فال وأرسلته للجريدة وتوفي العقيد يوم الجمعة الموافق الخامس من مايو ولم أكن أعلم وتم نشر المقال يوم الأحد السابع من مايو، أي إنه توفي بعد يومين من كتابة المقال وقبل يومين من نشره!

 

كتبت مقالًا أسأل أين هو ولم أكن أتخيل أني سوف أكتب مقالًا بعدها بأيام أنعيه فيه!

 

بعد نشر المقال أرسل لي عدد ليس بقليل من الموريتانيين ليعزوني في الفقيد وقد كان لي الشرف بل شديد الشرف أن يعتبروني واحدًا منهم وأن آخذ العزاء في العقيد الراحل.

 

في جنازة رسمية وعسكرية  مهيبة يتقدمها ابن عمه الرئيس ولد عبد العزيز رغم العداوة الشديدة بينهما شيع جثمان الفقيد إلى مثواه الأخير وقد قرأت في عيني ولد عبد العزيز الحزن الشديد على العقيد الراحل وأنه لم يكن ادعاءً ولكنه هذا هو أسمى معاني الإنسانية أن يحترمك ويقدرك حتى أعداؤك.

 

ولكنهم دفنوه سريعًا جدًا قبل أن تتحول جنازته إلى جنازة شعبية أسطورية ودولية قبل أن يأتي حتى ولداه من الخارج، قبل أن يأتي أي أحد من أصدقائه الدوليين الذين أسرهم صدقه الشديد فقد كان من الأصدقاء المقربين للرئيس الفرنسي الأسبق جاك شيراك، فخافوا حتى من موته كما خاف الإعلام العربي دومًا من انتشار قصته وما فعله وتخليه عن السلطة!

 

الخلوق المتواضع هكذا وصف إعلام محمد ولد عبد العزيز رئيس الجمهورية الحالي لدولة موريتانيا العقيد الراحل وهو من كان أشد معارضيه رغم أنهم أولاد عمومة! الإعلام الذي طالما خرجت منه الإشاعات الكاذبة ضد العقيد الراحل.

 

العقيد الراحل أو أسد الصحراء كما يلقبه كثير من الموريتانيين نسبة لمشاركته في حرب الصحراء في أواخر سبعينيات القرن الماضي بين موريتانيا وجبهة البوليساريو، وهي الحرب التي أظهر فيها شجاعة فائقة كان رجل الميعاد بالنسبة لموريتانيا فهو من أطاح بحكم دام أكثر من عشرين عامًا للرئيس الأسبق معاوية ولد الطايع إثر انقلاب ناجح، وهو نفسه الذي أنقذ نفس الرئيس من انقلاب عسكري قبلها بعام واحد! لدرجة أن معاوية ولد الطايع وهو يقدم واجب العزاء في الملك فهد ملك السعودية الراحل وعندما علم بالانقلاب سأل وماذا فعل الانقلابيون مع ولد فال هل قتلوه؟! وعندما علم أن العقيد ولد فال هو نفسه قائد الانقلاب هبط بطائرته الرئاسية في النيجر ووجه خطابه الشهير عبر الإذاعة وقال "احذر من عدوك مرة ومن صديقك ألف مرة" وكأنه يطلب منه أن يكون وفيًا له خائنًا لوطنه!

 

ارقدْ بسلام أيها العقيد ارقد بعزتك، بكرامتك، بشرفك العسكري، واترك لنا البكاء عليك ورثاءك.

 

أخيرا

بعد نشر هذين المقالين توطّدت علاقاتي بكثير من الصّحفيين والإعلاميّين الموريتانيّين. وقد أخبرني أحدهم أنّ إعجابي الشّديد بالعقيد الرّاحل ليس في محلّه، وأنّه كان في بداياته مدير أمن فاسد في عهد الرّئيس الأسبق معاوية ولد طايع. كان ردّي أنّني لا أعرف إن كان فاسداً أم لا. لكنّي أصدّق أنّه كان فاسداً بالفعل! وفي حياتنا لا يهمّ كيف نبدأ، المهمّ كيف ننتهي. فكم من زعيم حقيقيّ في أفريقيا والوطن العربي حرّر وطنه من قبضة الاستعمار الخارجيّ وانتهى به الأمر ديكتاتوراً فاسداً دمّر وطنه؟! رحم الله العقيد الرّاحل الرّجل الّذي ليس مثله رجل وأبقى ذكراه خالدة رغم أنف الحاقدين.