على مدار الساعة

الأسبوع الفرانكوفوني في موريتانيا: ضرورة التمييز بين "موريتاني" و"أوكسيتاني"

21 مارس, 2018 - 19:04
بقلم محمد يسلم يرب ابيهات - 21 - 03 - 2018

فصل المقال فيما يلزم للدفاع عن العربية من جدال

مرة أخري، تصك آذاننا بالاحتفال بالأسبوع الفرانكوفوني، والذي وللأسف، يتم الاحتفال به، في كل مرة، بصخب شديد ولجبة كبيرة، دقا للمزامير ونشرا للبنود. ولا تفتأ الأقلية من المشاكسين، الكؤودين، من الذين يظنون أنهم في "أوفيرن"، أو"أوكسيتاني"، أو "نورماندي" - ولايات فرنسية -، لا تفتأ هذه الشرذمة تتحدانا، بله تخنقنا. فهل يا ترى يجب علينا تذكير هؤلاء، وفي كل مرة، أنهم في نواكشوط؟.

 

في نواكشوط، أي غير بعيد من "تيدره" ذلك المعتكف المقدس، والرباط الفائق الدلالة، المشحون برمزية عظمة المرابطين، الذين – وكما يجب تذكير هؤلاء المأبورين بذلك -، ليسوا سوى "المورسكيين"، كما سماهم الفرنجة فيما بعد، أي العرب الذين فتحوا إسبانيا، وأقاموا وشيدوا الحضارة الأندلسية.

 

هل يا ترى يجب علينا تذكير هؤلاء، الفرانكو - مأبورين – إذ لا يوجد لدينا، حسب علمي، ناطقون بالفرنسية - هل علينا تذكير ثلة "المفرنسين – المفرمتين – المألينين – المدجنين - هذه؛ والذين إن تمادوا في إصرارهم على إزعاجنا - فسنصارحهم بحقيقة أن لا مكان لهم في أرض القامات العلمية السامقة في اللغة العربية المدعوة موريتانيا. أرض وربوع المختار بن بونه، الذي يشكل لوحده مرجعا للغة العربية علي مستوى العالم العربي كله، وذلك لاستدراكه، وإضافته ألف مسألة نحوية إلي ألفية ابن مالك؛ أرض محمد بن الطلبة اليعقوبي الذي تغني بكل شبر من ربوع "تيرس" معيدا ألق النشوة، والفكر الثاقب، والتعبير الأصيل، والنفس الشعري البدوي العربي للجزيرة العربية في حقبتيها، الجاهلية والإسلامية؛ أخيرا، أرض فقيد العروبة والإسلام لمرابط محمد سالم بن عبد الودود، الذي ظل يذكر طيلة حياته - أسكنه الله فسيح جناته- أنه ليس "افرانكفونيا" – حين يقول في تعبير بلغة فرنسية محكمة: "أنا لست مفرنسا ولا متفرنسا"، والله يعلم كم كان هذا الرجل يلخص لوحده الأمة العربية بأكملها. نذكر هنا فقط بحلقات تلفزيونية، على شكل مقابلات مع عدود، أجراها التلفزيون الأردني، واختار لها الإخوة الأردنيون عنوانا معبرا، هو: "أمة في رجل".

 

لقد عرف العلامة محمد سالم بن عبد الودود، وعلماء أجلاء مثله كيف يتصدون ببسالة لـ"فرانكوفونية" جامحة، زاحفة، مهيمنة، نافية لكل الإرث العربي المتصل عبر حقب من القرون المتعاقبة، إرث عرف الموريتانيون كيف يحافظون عليه في غيرة شديدة، كما عرفوا كيف يتناقلونه جيلا بعد جيل عبر "المحاضر" تلك "الأكاديميات - المتنقلة" التي لا زالت تثير غبطة وغيرة الكثير من الدول في عالمنا العربي والإسلامي.

 

اختصارا، إنها ثلة "افرانكو - مأبورين" متصاممة، وكما يقول لانزادلفاستو: "لا يوجد شخص أشد صمما من الذي لا يريد أن يسمع". هذه تماما هي حال "الفرانكوفونيين" المزعومين في بلادنا، والذين يرغموننا كل سنة على تذكيرهم بأن مجرد وصف موريتاني بأنه "افرانكوفوني" يعتبر تجنيا مضاعفا، حيث يشكل إهانة، وقلبا للحقيقة في آن واحد. وما ذلك إلا لأن موريتانيا - وهنا مكمن الفرق - وعلى خلاف غيرها من الدول، تعتبر "الحاضنة"، والوريث الشرعي، إن لم نقل الأوحد، للغة العربية. وإليكم موضع الألم، حيث ينكأ الجرح، فيألم أشد الإيلام: أن نكون ورثة أبي الأسود الدؤلي، والخليل بن أحمد الفراهيدي، وسيبويه، والأصمعي، والكسائي، والثعالبي، وابن دريد، وابن هشام، والزبيدي، والفيروزبادي، وابن منظور ونوصف بــ "الفرانكوفونيين".

 

ياللإهانة! أي عمى هذا! أي جهل هذا! اللغة، مهما أنكر ذلك المنكرون المأبورون - لا يمكن أن تكون مجرد "أداة محايدة للتواصل". اللغة، قبل كل شيء، هي روح جماعية، وهي الناقل لكل القيم المشتركة لشعب معين، أو لأمة مخصوصة. إنها العلامة الحضارية المميزة للأمة. إنها الطريقة الخاصة بكل قوم في البرهنة والاستدلال والتعقل ورد الفعل والتعبير، والتساؤل، والحركة والتبادل.

 

قل للألمان أن يحلوا اللغة الفرنسية مكان الألمانية، قل للإنجليز أن يجعلوا اللغة الفرنسية مكان لغة شكسبير، قل خصوصا للفرنسيين أن يستخدموا أي لغة أخرى في بلادهم مكان لغتهم الفرنسية، فسترى كيف تكون ردة فعلهم!

 

فلينتهي إذا النفاق المتعلق بقولنا إن اللغة ليست سوى أداة للتوصل، فلقد سئمنا سماعها علي ألسنة الـ"افرانكو - مأبورين" في بلادنا. فعلاقتنا، نحن الموريتانيين بالفرنسية لا يمكن إلا أن تكون تصادمية، لأنها اللغة الأجنبية التي فرضت وتفرض نفسها بشكل عدائي على شعبنا، في الإدارة، في التعليم، في البريد، في المستشفيات، في السوق، في المكتب، في المؤسسات، في المعامل، في المصانع، في التاكسي، في الشارع، في الحياة اليومية. ولكم أن تقيسوا مقدار المرارة، و الخيبة، والحسرة، بل حتى الثورة الذي قد يصل إليه أي شخص جراء ذلك. كم عانى صغارنا وضيعوا من وقت ثمين في سبيل فهم لغة السؤال، لتمرين حسابي بسيط؟ كم أضعنا من وقت في سبيل شرح معلومات تتعلق بمعارف أساسية في الفيزياء، والرياضيات، والطب، والاقتصاد، والمحاسبة، والتسيير، والقانون، هي أسهل ألف مرة شرحا وإيصالا باللغة العربية. ويجب هنا تذكير أولئك الـ "افرانكو - مأبورين" أن كل هذه المواد متوفرة بشكل كاف باللغة العربية. كما يلزم تذكيرهم بأن اللغة العربية لغة حية، لغة عالمة، وهي الأكمل بنيويا، وهي "الأتم"، وهي قادرة دائما على حمل كل المعارف البشرية.

كم من شاب في بلادنا عانى من التهميش لمجرد أنه تلقى تكوينه باللغة العربية. كم من أطر أكفاء، مرموقين، أذكياء، مقتدرين وحملة الكثير من الشهادات، خسرناهم لمجرد أن شهاداتهم عربية. وهذه بالضبط هي معضلة الفرنسية عندنا. مما يعني أن الفرنسية تم توظيفها من طرف البعض كأداة إقصاء وتهميش، ولمز، وإبعاد لكل من يعبر عن عدم استعداده للعمل بالفرنسية. وما دامت اللغة الفرنسية تواصل لعب هذا الدور فإنها ستظل عامل تشويش، وتشكل عقبة، بل حتى تهديدا للحمة الوطنية، وخطرا على وحدة وتفاهم شعبنا.

 

ولعل ما ذكرناه للتو يكفي للرد على الذين يروجون لحيادية اللغة - عن خبث بين ومكيدة مستحكمة، أوعن سذاجة وغباء منقطع النظير - ويزعمون، في إيهام بمراوغات خادعة، أن وجود اللغة الفرنسية عندنا طبيعي، وأن الفرنسية، في النهاية ليست إلا أداة تواصل! لهؤلاء نقول: حسبكم. كفي. لقد طفح الكيل وبلغ السيل الزبي!
 

إن قضية اللغة لا يمكن أن تأخذ بهذه البساطة. وكل موريتاني قح لن يرضى بمنح لغة أجنبية مكانة تسمو بها علي لغته. وما ذاك إلا أن لغته ليست كأي لغة. إنها اللغة العربية.

 

إنها، وكما أسلفنا، لغة عالمة، بلغت أقصى درجات الكمال من ناحية البنية، وهي اللغة الأجمل والأدق عالميا.

 

وبما أنه يمكننا القول إن كل ما سقناه أعلاه يكفي لدحض وتفنيد الزعم بأن اللغة ليست إلا أداة، مما يعني أنه بإمكاننا أن نستعمل أي لغة وكيفما اتفق؛ فلنفرغ الآن لدحض حجة أخرى ما نفتأ نسمعها على ألسنة أولئك الـ "افرانكو - مأبورين".

 

إنه الزعم القائل بأن الفرنسية لغة انفتاح، تمكننا من التواصل مع باقي العالم. فيا للفرية! في الوقت الذي يهجر فيه الفرنسيون أنفسهم لغتهم إلى الإنجليزية، فإنهم ينصحوننا بالفرنسية، ويعرضونها لنا كلغة انفتاح! فيا للعجب!

 

ولكن، إذا أردنا الحديث بصدق، وحسم الجدل بخصوص هذه النقطة، فلنا أن نقول: إذا كان الغرض حقا هو الحصول على لغة انفتاح على العالم لشبابنا وطلابنا فإن الأولى بالاختيار هو الإنجليزية. لماذا؟، أولا، لأن الإنجليزية هي لغة العلم المعاصر. فهي لغة الرياضيات، والمعلوماتية كلها بالإنجليزية، وعالم المال والأعمال، كما الاقتصاد، كل ذلك باللغة الإنجليزية أساسا. ثانيا، لأن الإنجليزية ستمكننا من التواصل أكثر مع باقي الدول في عالمنا العربي، كمصر، والعراق، وسوريا، والأردن، وباقي دول الخليج. كما تمكننا الإنجليزية من التواصل والانفتاح أكثر على دول افريقية كبيرة، وازنة ومهمة كجنوب إفريقيا ونيجيريا. كذلك تمكننا الانجليزية من التواصل أكثر مع الصين، واليابان، وإندونيسيا، وماليزيا ، والباكستان والهند. ذلك، حتى لا نذكر إلا هذه الدول، فحسب.إذا، بعد هذا كله، أيهما أولى بالاختيار كلغة انفتاح على العالم؟ الفرنسية أم الإنجليزية؟ ألا بعدا للمبطلين!

 

وإذا ما أصر الجمع المتناهي الصغر أو الشرذمة، من قلة شذاذ من الـ"افرانكو - مأبورين "، رغم كل ما ذكرنا من الحجج الدامغة، إذا ما أصروا على أن لغة الانفتاح المثلي بالنسبة لنا هي الفرنسية، فليس ذلك عن قوة حجة ولا دليل ولا برهان، وإنما هو الدليل القاطع أنهم عن خبث وسوء نية يريدون إحلالها محل لغتنا الرسمية، وإعطاء الفرنسية المكانة والمنزلة التي من المفروض أن تعود طبيعيا إلى العربية. ولقد نجحوا عن طريق الأمر الواقع، وللأسف الشديد، في جعلها لغة العمل الوحيدة لدينا.

 

لكن تبقى الحقيقة، كل الحقيقة، بعيدة عن هذا كله. فالحقيقة هي أنه آن الأوان أن نمنح اللغة العربية المكانة التي تستحق. آن الأوان أن نجعلها لغة تعليم عصري موحد، بحيث يتلقى جميع أبناء موريتانيا تكوينهم في لغة واحدة، ويعملون كلهم بلغة واحدة، ويتقاسمون، محبة وعشقا للغة واحدة، هي العربية. ولكن أيضا يدرسون ويتقنون، اختياريا، لغات أجنبية أخرى، حسب أهميتها، كالإنجليزية، و الصينية، والإسبانية، والروسية، والفرنسية، والألمانية، والبرتغالية، والإيطالية. وهذه هي الوضعية الطبيعية والعادية التي يمكننا خلالها ربط علاقات هادئة مع لغة أجنبية كالفرنسية. شأنها كشأن أي لغة أجنبية أخرى. خلافا للوضعية الحالية لهذه اللغة الأجنبية في بلادنا، والتي تتسم بهيمنة واجتياح مرفوضين، ولم يعد من الممكن تحمل وضعية كهذه للفرنسية في بلادنا.

 

وفي الختام، نشير أخيرا إلى أن اختيار مقر اتحاد أرباب العمال الموريتانيين يوم 27 – 03 - 2018 لإعطاء انطلاق فعاليات الأسبوع "الفرانكو - صفاقي"، هو اختيار كان يحمل في طياته كل شيء إلا البراءة. وهو اختيار يحمل رسالة موجهة إلى الجميع، فحواها كالآتي: إن عالم المال والأعمال، والاقتصاد والتجارة، كل ذلك، هو بالفرنسية. وهذه وللأسف حقيقة مرة. فعلا، كانت النخبة، زبدة النخب، صفوة القوم وعلية المجتمع كما يقال، من الجهات الرسمية، ومن القطاع الخاص، من رجال أعمال، وكبار تجار، ومدراء مؤسسات، ورؤساء مقاولات، ومصرفيين، ومؤمنين، ومصنعين؛ الكل كان يحرص على تسجيل حضوره. ولم لا، ألم يكن من بين الحاضرين سفير فرنسا المعتمد لدلا بلادنا، رفقة كبار مسؤولي وكالة التعاون الفرنسي؟

 

إلا أن كلمة حق لا تشوبها شائبة، هي في الصميم حجة دامغة، تحضرني للتو، تعن عنا، و بإلحاح، أرغب في توجيهها إلى ذلك الجمع المحترم من رجال أعمالنا: إن أعمالكم ستكون أكثر ازدهارا إن أنتم اعتمدتم الفصحى كلغة عمل. إن النظام المحاسبي لمؤسساتكم، والتسيير، وضبط المشتريات، والمبيعات أسهل إمساكا ومتابعة، باللغة العربية. إن أول زبون لكم، وهو المواطن الموريتاني العادي، ناطق بالعربية، أو يتحدث ويفهم العربية. إن القطر الذي يتعين عليكم تنميته ليس "مايوت". إنه موريتانيا. وباللغة العربية، يتعين عليكم تنمية بلادكم. لقد أعذر من أنذر!